دخلت ذلك المسجد يائسا، كاسفا بالي، ناويا أن أبيت فيه
دون عشاء ولا أغطية ألتحف بها.
وبعد ما رفع أذان المغرب تقاطر المصلون ثم تبعهم الإمام،
وهو طويل، مائل إلى البدانة، حليق الذقن، وكان كإمام تمالوكت، لولا دخوله المحراب
لظننته أحد العوام، ومظهره كمظهر "الرايس" (المغني) وهو من حوز مراكش،
ولما رأيته قلت: واشقائي!!
وقد كانت لدي فراسة عجيبة، فما رأيت قط ملامح
"فقيه" إلا استكشفت منها باطنه، فيتبين لي أنه خبيث أو طيب!
ولما أدينا فرضنا وزعت المصاحف على العوام، واستعاذ
الإمام بالله من الشيطان الرجيم، وبدأ الحزب الراتب بصوت عال، وقد كور يده اليمنى
على أذنه اليمنى، واليسرى على اليسرى، فتأكد ظني، إذ هذه عادة الورشيين، وغالبا ما
تكون طباعهم فظة!
وبعد ما فرغنا منه خرج العوام، وتبعهم، ولم يسأل عني!
ولما تخطى باب المسجد التفت إلي فرآني أنظر إليه. هل عرف أني نقمت منه إعراضه عني؟
ولم يبق في المسجد إلا رجلان، أحدهما ذو لحية كثة، وكانت
السماء تمطر، والرعود تزمجر، وللبرق وميض يخطف الأبصار.
ولم آكل شيئا منذ الفطور في مدرسة تامسولت العتيقة!
وبعد قليل سألني ذو اللحية الكثة:
ـ هل تعرف أحدا هنا؟
ـ لا.
ـ أتبيت في المسجد؟
ـ أفيه شك؟ إلا إذا وجدت مكانا آخر؟
ـ والعشاء؟
فقلت مبتسما:
ـ أنا ضيفكم!
سكت قليلا ثم سألني:
ـ هل تأكل السردين؟
ـ من كان على حالي لا يتخير، فلو أتيتني بالخبز الحافي
لاستطبته.
ثم خرج مع صاحبه، ولم يلبثا أن رجعا حاملين عشاء طيبا،
وهو مكون من كأس قهوة بالحليب، ورغيف كبير، وعلبة السردين، فطلبا مني أن أنتحي
زاوية لأتناوله ففعلت.
وبينما أتعشى بدأ المصلون يدخلون ويرمقونني، فكرهت ذلك،
فجرعت قهوتي اللذيذة، ووضعت السردين في الرغيف، ولممته في كاغد، فوضعته في حقيبتي
حتى أخلو له بعد الصلاة، ولما رجع الإمام بعد الأذان أتى بعشاء حقير : شاي وقليل
من الأرز! وقال لي:
ـ اليوم تعشينا قبل المغرب! كنت في الحمام بعد العصر،
ولما خرجت وجدت الزوجة قد أعدت العشاء فتناولناه قبل المغرب! وقلت لها: "لا
بأس أن تعدي لنا بعد العشاء حريرة بالأرز" ومنها هذه البركة!!
شكرته، وأنا على يقين أنه كاذب.
ثم سألته عما مكنت أبحث عنه فقال:
ـ لا شيء هاهنا! وأراك مخطئا إذ خرجت في وقت غير مناسب.
على أن الشرط في هذه الآونة أمره غريب، فقد صارت المساجد التي لا تشارط من قبل إلا
في شهر رمضان ـ صارت تشارط طيلة السنة، والمشارطة الحسنة لا تحصل عليها إلا
بالوساطة.
ثم استطرد:
ـ منذ شهور بات هنا فقيه، وفي الصباح وجد باب المسجد
مفتوحا على مصراعيه، فسرق "البوطا" وسجادة فاخرة!
ولما وصل خبره إلى القيادة وهي قريبة من هنا أعلن القائد
أن يقفل باب المسجد بعد صلاة العشاء حتى الصبح وألا يبيت فيه الغرباء، وأؤكد لك
أني رأيت ذلك الفقيه في تارودانت، وهؤلاء الناس يبحثون عنه، ولكني لا أريد أن أدلهم
عليه!
ثم إن فقيها آخر بات هنا كان يعرف صديقا لي فخدعني
قائلا: "ذلك الصديق يسلم عليك" وفي الصباح سرق أغطية جديدة زودته بها
حين آوى إلى النوم!!
ترى أكان صادقا في هذا الاستطراد أم أنه أفاك أثيم؟ أما
أنا فقد عرفت أنه كذاب أثيم، لأنه لم يقم بحق الضيافة فأراد أن يعتذر عن ذلك بهذا
الافتراء والاختلاق.
ولئلا أتهمه بالكذب قال:
ـ ولكن هؤلاء الناس لا يزالون رغم ذلك يحترمون "الفقهاء"
وما تركوك إلا لأنهم رأوك قرأت معنا الحزب الراتب!!
ثم ودعني قليلا:
ـ ادخل إلى بيت المنبر فرارا من هذا البرد القارس!
والسماء كما أسلفت تمطر! وهكذا قضي علي هذه الليلة أن
أبيت وأنا أحق بقول الشاعر مع تغيير طفيف:
لم "يقصر"
ليلي ولكن لم أنم**ونفى عني الكرى "برد"
أَلَمّْ
وفي الصباح أكلت ذلك الخبز الململم في الكاغد.
ثم غادرت ذلك الدوار المسمى "أيت طالب" واتجهت
شرقا، فعبرت ساقية، ثم واديا، ثم اتخذت طريقا سويا حتى أتيت دوارا يدعى "أكادير"
دخلت المسجد فغسلت رجلي المتسختين، ثم جلست على حصيرة مفروشة تحت سقف للاستراحة.
وبعد قليل دخلا تلميذان ليملأا سطلا بالماء من صهريج على مقربة مني، فسألتهما عن
الفقيه فقالا:
ـ ذهبا إلى "سلكة" زردة.
فرأيت أن أستأنف طريقي، لأني لم أعرج عليه إلا لتناول
الفطور عنده أما المشارطة فقد أخبرني إمام "أيت طالب" الكذاب الأشر ألا
وجود لها حوله.
خرجت تعبا جائعا، وبينما أسير إذا برجل يناديني:
ـ يا فقيه، هل أفطرت؟
ـ لا، ورحمك الله!
ـ تعال!
فذهب بي إلى داره وقال لي:
ـ وقد أفطرنا تّوّاً.
والغريب أنه أدخلني على أسرته، فوجدت امرأة تعجن، وأخرى تغسل
الماعون، وفتاة قد شمرت عن ساعديها وساقيها، ولعلها تكنس، والتنور يلتهب نارا، ثم
فتح غرفة في أقصى الدار، غرفة صغيرة مبنية بالطين المدكوك كديار الدوار أجمع،
وكانت مسقوفة بالقصب.
ولما أفطرت سألته عن اسم القبيلة فقال: اسمها "أيت
إكَّاسْ" وسألته عن إمامهم فقال:
ـ هو من "إمنتاكن".
ـ لو عرفت أنه من إمنتاكن لما عرجت عليه.
ـ لماذا؟
فحكيت له ما وقع لي في "تكليان" و "تمالوكت"
و "أيت طالب" وقلت:
ـ يبدو أن أهل إمنتاكن لؤماء بخلاء!
ـ ليسوا سواء.
ـ ومن يضمن لي أن إمامكم مستثنى؟ ألا تعرف أن العرق نزاز
كما يقال؟
ثم ودعته شاكرا له، وقد استنكر معاملة أولئك اللؤماء
وقال:
ـ هذا يتنافى مع ما يأمر به الإسلام، أنا لا أعرفك،
ولكني لا أتركك تمشي في الطريق جائعا، يقولون: هؤلاء الغرباء لصوص، هذا لا يهمني،
فإذا أطعمتك فلأنك بشر مثلي، مسلم، أخي، وكونك سارقا أو ما شئت لا يهمني، أمرك إلى
الله!
وكان رجلا طيبا كريما، طويلا أسمر.
ودعته فاستقبلت طريقا أطول من تنفس العاشق!
شرعت في طيه حتى وصلت إلى الطريق الكبير الرابط بين
تارودانت وأولاد برحيل، يممت شجرة وأسندت ظهري إلى جذعها قريبا من ساعة، وقد كنت
منهوكا، وأصبحت ركبتي تتألمان، وتشكوان إلى الله ما أحملهما من مشي، وما تلقيان من
خيبة أمل! وكانت عروق في ساقَيّ أشد ألما وشقاء، ولكني رغم ذلك نويت الذهاب إلى
أولوز، فذهبت على متن الطاكسي إلى أولاد برحيل ـ لأن الحافلات والطاكسيات إلى
أولوز مباشرة غير متوفرة ـ حيث صليت الظهر وتغديت، ثم انطلقت إلى أولوز، ولكني
نزلت قبل الفيلاج بألفي متر تقريبا، فاتجهت إلى دوار يدعى: "؟؟؟" ووجدت
النساء قد أقمن "المعروف" في ضريح في المقبرة قرب المسجد، فرأينني
داخلا، والإمام غائب، ولم أفرغ من الوضوء حتى دخلت فتاة وأنا في المرحاض ونادتني:
يا فقيه! فخرجت إليها، فقدمت إلي قصعة من الطعام (الدشيشة) معممة بالجزر واللفت
ولحم الدجاج فشكرتها، ولم أصل حتى ازدردت ما يكفي. وبينما أصلي العصر في غير وقته الاختياري
دخل الإمام وشرع يفتح بيته، ثم رأى نعلَيّ على عتبة المسجد، فأطل علي في المسجد ثم
أقفل بيته وخرج.
ولما أديت فرضي خرجت فوجدته في الفناء، وهو شاب، قصير
نحيف، سلمت عليه، وبعد مألوف الكلام سألته عما كنت أبحث عنه، فوجد فرصة للتخلص من مبيتي
عنده فقال:
ـ هناك دوار يدعى "إمنيليل" ومسجده شاغر.
توجهت إليه، وما قاله كذب ومين، فقد وجدت في المسجد الذي
أرسلني إليه إماما، وهو أيضا شاب، قصير ظريف، فَكهٌ، وهو من ورزازات فحكيت له ما
قال لي ذلك النحيف، فقال:
ـ كذاب! وقد عرف أني هنا، ولكن يريد ألا تبيت عنده!
ـ بالمناسبة، هل تريد أنت أن أبيت عندك؟
ـ مرحبا، وهل أنا إلا ضيف مثلك؟!
فشكرت له.
وفي أثناء حديثنا الطويل قال:
ـ كنت أدرس في مدرسة "إمي واداي" فرأيت أني
آكل وأشرب مجانا، فقلت في نفسي: "يجب أن أخرج لأرى هل أستطيع أن أحصل على
قوتي بعرقي وكدي؟" فخرجت بحثا عن الشرط، ولم أعثر على هذا الدوار إلا بعد
خمسة عشر يوما حتى سئمت الترحال والبحث! أتدري كم عدد المشارطين؟ تسعة أشخاص!!
وأما المبلغ المتفق عليه فثلاثون ألف ريال في السنة!! أضف إليها عشرين ألف ريال
آخذها من الأوقاف! والله العظيم لم أبق هنا إلا لأني لا أملك أجرة الحافلة، ولم
يوجد في حوزتي الآن إلا عشرة دراهم، وقبل أيام حصلت من "سلكة" على خمسة
وثلاثين درهما، فاشتريت بها هذا المذياع يؤنسني في وحدتي الطويلة! وأما التلاميذ
فلدي ثلاثة، كأني قُبَّرَةٌ!!
يتبع

👍
ردحذف