-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

10 ـ البحث عن حرفة الزمنى







ثم صافحني داعيا لي بالتيسير والخير. ثم توجهت إلى مدرسة "تمسولت" العتيقة فوصلتها بعد ساعة، وهي مدرسة قديمة، وقد رمم أكثرها، ويوم دخلتها وجدت مبلطا يبلط جدران المسجد.

وبعد ما استرحت أخذت أدور في المدرسة، فمررت بمجلس يضج بالتلاميذ وهم يحفظون القرآن، فاستدعيت صبيا منهم، وسألته عن الفقيه فقال:
ـ هو في المجلس.
ـ متى يخرج؟
ـ في منتصف النهار.

فنظرت في الساعة في معصمي، فإذا الساعة تقترب من الحادية عشرة، فقلت له:
ـ دعه ولا تخبره عني.
ثم طلبت من تلميذ أن يأتيني بسطل لأغسل ثيابي المتسخة جدا، فأتاني به.

وحين أغسلها جاءني تلميذ كبير (طالب) فتعارفنا وهو من "تمسولت" أبيض اللون، ذو لحية خفيفة، طيب كريم مهذب.

أخبرته أن ابن عم لي كان حفظ القرآن في هذه المدرسة، فقال:
ـ في أية سنة؟
ـ في 86 على ما أذكر.
ـ كان غليظا، أحمر الوجه؟
ـ نعم.
ـ هو معاشري في تلك الأيام!!

وبعد ما فرغت من غسلها استدعاني إلى بيته (حانوته) فتبعته، ولكن ما إن تخطينا باب المدرسة حتى سمعنا الفقيه يتحدث مع رجلين في "المقصورة" التي كانت إلى يسار الداخل، فقلت لصاحبي:
ـ سأذهب إليه لأراه أولا.

سلمت عليهم وصافحتهم، وكان الفقيه طويلا، غليظا، أبيض اللون، ذا لحية خفيفة حديثة العهد بالموسى.

ويبدو أن ملامحي لا توحي بأني "فقيه" لذلك سألني:
ـ هل أنت "فقيه"؟
قلت باستحياء وخجل:
ـ نعم، فقال:
ـ انتظرني في الخارج.
انتظرته حتى خرج، ثم صاحبني إلى داره مع الرجلين، بعد ما ألح عليهما إذ رفضا في البداية.

أدخلنا دارا حديثة العهد بالبناء، لم تبلط بعد جدرانها وسقوفها، وقد غرس في صحنها شجر الليمون.

وله أولاد أربعة، حسان الوجوه، أكبرهم لم يتجاوز العشرين عاما، وكانوا فُطْسا قليلا كأبيهم.

وكان الفقيه طيبا سمحا كريما، ذا معاملة حسنة، غير متزمت على غير عادة أقرانه، فكان يستلقي أمامنا، ويتحدث بلا تكلف، ويضحك ويتندر....

وبعد ما تناولنا غداء طيبا خرجنا فأتيت إلى صاحبي في المدرسة، وطلبت ماء ساخنا لأغسل رأسي الأشعث، فوجدته في المرجل (المسخنة المعهودة في المدارس العتيقة) فاغترفت ما يكفيني فغسلت رأسي وحلقت ذقني ثم صليت الظهر.

ولدى صاحبي كتب كثيرة إسلامية، ما يدل على أن ميوله تتجه نحو العلوم الإسلامية فاستأذنته في تصفحها فأذن لي فانتقيت منها كتاب: "التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق" للدكاترة زكي مبارك.

وهكذا قضيت يوما طيبا من هذه الرحلة.

وقبل صلاة العشاء استدعاني الفقيه إلى داره للعَشاء، فأدخلني هذه المرة بيتا في داره الخاصة، بيتا نظيفا، مبلطا سقفه بالفسيفساء، مفروشا بالموكيت، وفيما يلي الجدران اصطفت الكنبات الوثيرة، وعليها مخدات ناعمة، وعلى الجدران علقت أطر فيها آيات بينات، كما علقت صورة الملك.

وفي الطرف المقابل لنا كتب كثيرة تغريني بالنظر إليها، وأحسست بشوق شديد إلى تصفحها وقراءتها.

وقدم إلي الصينية لأهيئ الشاي، فأردت أن أرفضها، ولكن لم يكن في البيت غيره وغير ابن له، كثيرا ما يخرج لإحضار ما ينقص فأذعنت.

وقد تحدثنا كثيرا، فحكيت له ما وقع لي في "تكليان" فضحك، وأخبرته عن مقصودي في الزيارة فقال لي:
ـ ليس في علمي شيء لحد الآن.

وتعجب كثيرا حين أخبرته أني لم أعثر على مسجد شاغر في القبائل التي زرتها، ثم سألته عن ابن العم فقال:
ـ هل هو غليظ، وهل هو شريف؟
ـ نعم.
ـ ما زلت أتذكره.

ثم غيرنا مجرى الحديث فحدثني عن تأريخه ...

وبعد ما تناولنا العشاء الطيب خرجت داعيا له.

وفي الصباح استدعاني للفطور أيضا ثم ودعته فقال لي:
ـ امكث عندنا يوما آخر حتى تستريح جيدا.

فأبيت، ولما رآني مصرا على الرحيل مد يده ليصافحني فوضع في يدي قطعة نقدية، فانحنيت حتى قبلت يده، مع أني أكتفي من قبل بمصافحته مع انحناء متواضع إجلالا له واحتراما.

ثم غادرت هذه المدرسة متجها نحو تارودانت، لأنطلق منها إلى أولوز، واتخذت طريقا كسيرة المنافق، مستقيما حينا وملتويا أحيانا أخرى، حتى أتيت دوارا يقال له "وَارْوَادْ" بعد ساعتين كاملتين، فسألت عن المسجد، فوجدته مقفلا، وانتظرت أمام الباب ربع ساعة، ثم ذهبت إلى دار الإمام الكائنة بجانب المسجد، فطرقت الباب، فسمعت طفلا يقول لأمه:
ـ إن بالباب شخصا.

ولكن لم يخرج أحد، ثم طرقت ثانيا فثالثا، ولا أحد يسأل من الطارق، فرجعت إلى مكاني الأول، وإذا صبي على سطح دار من جيران المسجد ينادي:
ـ الفقيه ذهب إلى "سلكة" (زردة).

فاستأنفت طريقي آملا أن أستكشف دوارا آخر، ولكن بعد ساعة وجدت نفسي في خلاء، وتركت ورائي الديار والحقول، فلم أعد أرى إلا الحجلان!

وبذلك قضي علي أن أمشي وحيدا طيلة ثلاث ساعات حتى أشرفت على دوار يدعى "تَمَالُوكْتْ" فقصدت المسجد تعبا منهوكا، وصليت الظهر، وبقيت في "المقصورة" لأن العصر أزف وقته، وكان الإمام يتحدث مع رجل، فيصلني صوته، وكان صوتا غليظا منكرا، فاستنتجت منه أن صاحبه لئيم بخيل!!

ولما رفع الأذان دخل المصلون ثم الإمام، وهو متوسط القامة، أسمر، ولولا دخوله المحراب لما ظننته إلا أحد العوام، وملامحه ملامح فلاح حقير، فتأكد لي استنتاجي!

ولما أدينا فرضنا مددت إليه يدي أصافحه فقال: اللهم اغفر لنا! غير ناظر إلي!! فقلت في نفسي: هذا ما يؤكد ظني! ثم نهض وخرج فأقفل باب بيته. فلبثت مكاني أنتظر، لعله يسأل عني، ولكنه لم يفعل! بل خرج إلى العوام أمام المسجد يثرثر معهم.

وإذ تحقق لي إهماله لحق الضيف خرجت فوجدت رجلا في الدهليز فسألته عن اسم هذا اللئيم، وأين يسكن، والدوار، والقبيلة؟ فقال:
ـ أما اسمه فهو الحسين ـ فقلت في نفسي: بل هو القبيح ـ وينتمي إلى هذا الدوار الذي يدعى "تمالوكت" وأما القبيلة فهي "إمْنْتاكْن".

فطلبت منه أن يأتيني بشاي فأبى قائلا:
ـ داري بعيدة!

ثم تركته ملعونا، وخرجت، فوجدت الإمام البخيل غير بعيد عن المسجد، وإلى جانبه رجل يثرثران فسألتهما:
ـ هل يوجد مسجد آخر هنا؟
فقال الإمام وهو يبتسم:
ـ أليس هذا الذي غادرته مسجدا؟
ـ مسجد لا فائدة منه! ألم تتركني فيه، ولم تسألني عن اسمي، ومن أين أتيت، وما بغيتي؟ وأنت المسؤول عمن دخل ومن خرج؟ وما هكذا تفعل الرجال!
ـ ولكنك لم تتحدث إلي؟
ـ كان يجب عليك أن تسألني الأسئلة العادية حين صافحتك، ولكن يبدو أنك لست "فقيها" بمعنى هذه الكلمة أعني أنك مجرد حافظ للقرآن؟ فغضب وقال:
ـ أتشتمني؟ أكل من لبس جلبابا أبيض وأرسل لحيته يجب علي أن أعرف أنه "فقيه"؟
ـ أجب على سؤالي: ألست مجرد حافظ لألفاظ القرآن؟
ـ بلى! أنا حافظ للقرآن فقط.
 قال ذلك غاضبا محنقا.
ـ استنتجت هذا من معاملتك لي! فلو تعلمت شيئا من العلوم، وسافرت في طلبه وتجولت لعاملتني معاملة غير هذه!

تدخل الرجل الذي صاحبه قائلا:
ـ الغرباء تعامل في هذا المسجد كما تعامل في المدن!!
ـ لا تكذب! فكم مرات بت في المساجد القريبة من المدن، ومن أين لمسجدكم هذا البعيد عن المدينة هذه المزية؟

ثم أرشدني شاب إلى مسجد آخر، فتوجهت إليه، ولكن لم أجد فيه الإمام، ولا أدري ما ذا أفعل، أأنتظره حتى يرجع إذا كان قد خرج بعد صلاة العصرـ ولكن من يدري لعله سافر؟ ـ أأنتظره أم أخرج للبحث عن مسجد آخر أبيت فيه؟

وبعد ما قمت بدورة في المسجد خرجت إلى الفناء، فمرت بي فتاة جميلة، فأردت أن تكلمني فسألتها:
ـ هل المسجد مشارط؟
فأجابت، ولم تلتفت إلي:
ـ نعم.
ومرت مسرعة كالقطاة!

وبعد قليل اتجه نحوي كهل يقود حمارا، فسلم علي، ووقف تاركا حماره يرعى العشب، وإذ ارتبت في أمره دخلت، وما لبث أن دخل هو أيضا، يقود حماره! فتبينت أنه الإمام، وكان طويلا أسمر، قد وخط الشيب فَوْدَيْه، أعور، وربما كان أحول أيضا! قاد حماره إلى "حانوت" (بيت) ثم سألني: من أين أتيت؟ فأخبرته ثم استضفته فقال:
ـ ليس هنا بيت تبيت فيه، وهذا البيت كما ترى يشغله حماري، ولا أستطيع ان أُعَشيك، فلو ذهبت إلى مسجد تمالوكت لتصيبن عشاء ومبيتا.
ـ من هناك أتيت!
ـ يوجد مسجد آخر قريب من هنا، فما عليك إلا أن تخرج وتتجه نحو الشرق، وستدلك عليه صومعته الشامخة.

فظننته يكذب علي ليتخلص مني، ولكني مع ذلك خرجت فاتجهت إليه، شاكيا إلى الله تعاستي وشقائي، وقد مشيت من العاشرة صباحا، وكل مسجد قصدته يرفضني بطريقة أو بأخرى!

دخلت ذلك المسجد يائسا، كاسفا بالي، ناويا أن أبيت فيه دون عشاء ولا أغطية ألتحف بها.
يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019