وإذ أخبرني أن ليس في جواره شيء قررت أن أذهب إلى
"إسافن أيت هارون" ولكن ركبتي كما أسلفت خائرتان منهوكتان عاجزتان عن
المشي، فتحيرت في أمري، أأعود إلى قريتنا أم أرحل إلى مدرسة عتيقة أمكث فيها حتى
تنقضي عواشر عيد الأضحى ثم أستأنف البحث؟
ولكن الشخوص إلى مدرسة ثم الإقامة فيها طيلة شهر أو يزيد
بلا زاد ولا أغطية ولا أمتعة مستحيل، ومن ذا الذي يقبلني ضيفا هذه المدة المديدة؟
على أن هذه الضيافة الثقيلة لو رحب بها أحد لرفضتها، أليس صعبا علي أن أنفق يوما
واحدا عند شخص تربطني به صلة وثيقة؟ فكيف بأزيد من شهر؟
وإذن يتعين علي أن أعود إلى دوارنا، ولكن أخاف ألسنة
الناس، وقد يتهمونني بما أنا منه بريء، وإيذاؤهم يؤذيني أكثر مما آذتني رحلتي
الخائبة.
وخطر لي أن أكذب قائلا: وجدت الشرط، ولكن المشارطين
اشترطوا علي ألا أزاوله إلا بعد عيد الأضحى!
ولكن قد أسأل: لم هذا الاشتراط؟
والأعذار طبعا لا تعوزني، ولكني كاذب في ذلك، والكذب
يتنافى مع طبيعتي التي تمقته وتبغضه.
لذا قررت أن أعود وأكون صادقا مع نفسي ومع الناس وصريحا،
شاكيا إلى ربي ضعفي وخجلي وخيبتي وسوء حظي قائلا مع الرسول الكريم عليه السلام كما
أمره ربه: (قل لا
أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) فمن
كان عاقلا فليعذر، ومن كان ذا جهل ففي وسط لحيته! كما قال ذلك الأعرابي.
عدت من أولوز إلى أكادير ثم انطلقت إلى إداوزكي لآتي
بالساك المودع عند الصديق.
رجعت متعثرا في أذيال الخيبة، آملا أن أستأنف البحث بعد
العيد، ولكن حدث ما أنقذني من الاستئناف المأمول ولله الحمد في الأولى والآخرة.
انتهت الرحلة.
والذي حدث هو الشرط في مسجد دوارنا، وقد دام ثماني حِجَج
أو تزيد، وكلها شقاء ومعاناة وفقر وأمراض نفسية وعضوية، حتى ملني الحجر والمدر
والشجر والبشر ومللتها أنا أيضا.
وأذكر أني كنت أستعير الكتب من مكتبة في مركز تمنار، 2004
وتمر أسابيع ولا أجد ثمن الطاكسي الذي هو عشرة دراهم ذهابا وإيابا لا ستبدال
الكتب!!
وما أنقذني من
ذاك الملل المتبادل وهذا الفقر المدقع إلا
دعوة كريمة من الشيخ محمد زحل رحمه الله لتدريس مادة اللغة العربية لتلاميذ في
كُتّاب يشرف عليه في حي الرميلة بعين الشق.
فكان ذلك بداية فترة جديدة في حياتي دامت سبع سنين دأبا،
فهل انتهت بها قصتي المأساوية مع المساجد؟
كلا! بل بدأت المأساة العتيدة بعد أقل من سنة بسبب مندوب
أعرج متخوض في شؤون المساجد، وقد بلغني قبل شهرين أنه أوقف بسبب التلاعبات والاختلالات
التي ألفها واعتادها، فأصبح الآن مجرد موظف حقير في مندوبيته!
واستمرت المأساة حتى انتهت بي إلى التشرد في البيضاء،
فأبيت عند هذا الصديق أو ذاك في الشهرين الأخيرين من السبع الشداد، ولم يعتق رقبتي
من المأساة إلا الالتحاق بالمركز الجهوي للتربية والتكوين 2012. ولعلي أعود إلى
تنسيق أخبار هذه الفترة وتدوينها بعد العطلة الصيفية إن شاء الله.
