-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

8 ـ البحث عن حرفة الزمنى






دخلت المسجد، والناس يستعدون لأداء صلاة الجمعة، فسألت عن بيت الفقيه، فأرشدت إليه، فاستأنست وسلمت عليه، فرد بأحسن منها، وجدته يكتب تمائم.

وهو من إداومحمود، طويل، غليظ، جهوري الصوت، حليق الذقن، وملامحه لا تدل على أنه فقيه!

وبعد صلاة الجمعة دعاني إلى بيته، وجعل يسألني، ولما أخبرته بأنني من "حاحة" وأن اسمي: عبد الرحمن قال:
ـ هذا غريب! فقد عرفت كثيرا من فقهاء حاحة، ولم أعرف أحدا منهم يسمى عبد الرحمن، فأسماؤهم إما سعيد أو مبارك أو ما شابه، أما عبد الرحمن الحاحي فغريب!

فقلت له ضاحكا:
ـ لعلك ملهم! صحيح أنني غريب الأطوار في هذه الدنيا، وكل المزايا التي يتمتع بها "الفقهاء" تعوزني، وما باليد حيلة، وإلى الله المشتكى.

ـ عليك أن تغير الاسم من الآن، ولتتسم بمبارك! على ذكر مبارك هل تعرف سي مبارك أزموز؟
ـ لا، وإنما أعرف ابن عمه سي العربي أزموز، أو على الأصح أسمع به!
وكان يتذمر كثيرا من المشارطة، فلا تسنح له الفرصة إلا يلعنه، ويلعن الظروف التي تلجئ إليه، وقد عنفني حين علم أني أبحث عنه وقال:
ـ لو اتخذت حرفة يا أخي لكان ذلك خيرا وأجدى!
ـ مثل ماذا؟
ـ تذهب إلى المرسى وتشتري الأسماك، فتعيد بيعها، أليس هذا عملا شريفا؟
ـ ألا ترى أن الدنيا تبخل علي بعمل حقير، وهو هذا الشرط الملعون فكيف تريد أن تجود علي بعمل شريف؟!

حاشية: والغريب أن الذي يزهدني في العمل هو حب الكتاب، لا أستطيع أن أعيش بعيدا عنه، ولا أجد الفراغ للقراءة والكتابة إلا في هذا "الشرط" الذي أكرهه، وقد ضحيت بعمل في الدار البيضاء 2008 أجني منه أزيد من ألف درهم إضافي في الشهر، لأنه حرمني من الكتاب والقراءة حرمانا تاما! ولعلي أذكر هذا فيما بعد.

ثم اقترح علي أن أهيء الشاي قائلا:
ـ أريد أن أشرب شاي الحاحيين!
ـ وأنا أريد أن أشرب شاي إداومحمود!
فضحك، ثم أتى الغداء وهو عبارة عن عصيدة الذرة، فخيرني بين أكلها وبين الخبز والإدام، فاخترتها فقال لي:
ـ هل أكلتها من قبل؟
ـ لا، هذه أول مرة أرى هذا النوع من العصيدة!!
ثم تناولناها باللبن. قال:
ـ كان فقيهنا، وهو من حاحا، لا يأكلها، يفضل الجوع عليها، لأنه يُقَيِّئُها حالما يزدردها!

وفي أثناء الغداء استدعاه صبي قائلا: أجب أمي!

فخرج إليها وفي يده تلك التمائم التي كان يكتبها حين دخلت عليه. ولما رجع جعل يتأفف ويتأسف، لأنه لم يتقاض عليها أجرا، وقال:
ـ كنت أذهب إلى "إمنتانوت" حتى آتي بالورق، فأجعله كله تمائم، ولا آخذ ثمنه! غريب أمر هؤلاء الناس! فقد كتبت أكثر من ثلاثين تميمة، ولم أتقاض أجرا عن واحدة منها، فلعنة الله عليهم!!

وله ولد سألني هل يوجهه إلى المدرسة العتيقة أو إلى الجشتيمية، فقلت:
ـ هما أمران أحلاهما مُرٌّ، فالعتيقة تبلد الذهن بما تحشو به عقل التلميذ من متون عتيقة، وشروح وحواش بغيضة، ولا تدربه على الإنتاج بل تعلمه أن الأول لم يترك للآخر شيئا، إلى غير ذلك من مساوئها الكثيرة، وأما الجشتيمية فتنشط عقله، وتطلعه على مواد لا تذكر في العتيقة، وتنير الطريق أمامه، وتدربه على الإنتاج بأساليب حديثة، ولكن لها مع ذلك مساوئ لا أريد الخوض فيها الآن.

ثم سألني عن النفقة، فقلت:
ـ لا بد أن تنفق عليه قليلا أو كثيرا.
ـ من أجل ذلك أفضل المدرسة العتيقة.
ـ ستضيع عليه مستقبله الثقافي، سواء وجهته إلى هذه أو تلك، ولكني أرشدك إلى الجمع بينهما، فأرسله إلى العتيقة ليدرس فيها حولين كاملين، ثم بعد ذلك يتوجه إلى الجشتيمية، فيصيب عصفورين بحجر واحد.
ـ هذا ما سأفعله إن شاء الله!

ثم ودعته في الثالثة إلا ربعا ظهرا، متوجها نحو "إِرْكِيتْنْ" وأمامي جبل عالٍ جدا جدا، فلم أصل إلى قمته إلا بعد ساعتين كاملتين، وقد وجدت فيه بقايا الثلوج، ويومي هذا أسوأ من السابق، وسيأتيك الخبر بعد حين!

وإذ فرغت من هذا الجبل العالي استقبلت طريقا سويا إلا قليلا، حتى أشرفت على قبيلة "ِإرْكِيتْنْ" بعد ساعة من سير حثيث، لأني أخاف أن تتوارى بالحجاب قبل أن أستعيض عنها بدوار.

ولما أشرفت على هذه القبيلة رأيت المساجد كلها تتحلى بصوامع شامخة، كأن اصحابها لا يبيتون إلا سجدا وقياما لربهم، ولكن هذه الصوامع الخادعة لا تدل إلا على تفاخر، فكل دوار يريد أن يقول لجاره: أنا أثرى منك وأغنى!

ولا غرو فالتطاول في البنيان والتفاخر به من سمات هذا العصر المادي، وللمساجد نصيبها من ذلك.

وهنا أسجل ملاحظة تجر بذيلها على هذه القبائل كلها، وهي أن أصحابها ماديون، سواء في ذلك الخاصة والعامة، فكل أحاديثهم الكثيرة المملة تدور حول اقتناء هذا سيارة من الطراز الرفيع، وامتلاك ذاك منزلين أو ثلاثة في أكادير وابتياع أولئك مزارع بكذا وكذا وعلى هذا الجر والسحب، أما القيم الروحية فبمعزل عنهم.

أليست صلواتنا شكلا لا روح فيها؟ وصيامنا جوعا أجوف؟ وحجنا مجرد زيارة لا نفقه لها معنى؟ وزكاتنا تفاخرا على الفقراء؟ لله هذا الدين!

يممت جامعا من هذه الجوامع، فوجدت إمامه غائبا، لأنه مريض كما أخبرني شيخ، فغادرت متوجها نحو جامع آخر، وما أكثرها في تلك الجبال! وصوامعها الشامخة تشي بها، وقد كانت متقاربة كما يبدو للعين، ولكن الطريق إليها أطول من لسان طه حسين!!

وكانت الشمس محتضرة، فوجب علي أن أُغِذّ في السير، ولكن ما إن ابتعدت قليلا حتى ضللت الطريق فاستكشفت دوار آخر انزوى بين جبلين.

وبينما أفكر ماذا أفعل إذا بفتاة تتجه نحوي فسألتها:
ـ أين المسجد يا آنسة؟
وكانت متوسطة الجمال، فأشارت بيدها إليه، وقالت بلسان فصيح، ونغمة عذبة، وقلب جريء:
ـ إنه هناك!
ثم سألتها عن الإمام فقالت:
ـ هو مسجد شاغر.
فقلت في نفسي: تلك ضالتي المنشودة، ولكنها أردفت:
ـ ولكنهم لا يشارطون.

ثم سألتها عن اسم ذلك الموضع فقالت "تاوْرْمَاتْ" أو ما شابه ذلك، لا أتذكر جيدا، وكنت رأيت هذا الاسم على جدار الجامع الذي طرقته آنفا، ولعلهم بنوا ذلك الجامع فهجروا هذا المسجد الذي قالت صاحبتي: إنه شاغر.
ثم طلبت منها أن ترشدني إلى الطريق فقالت:
ـ اتبعني أهدك صراطا سويا!
فقلت في نفسي: بل صراطا معوجا!

ولم أتبعها بل مشيت أمامها، لأني أخاف أن أثير الظنون.

التفت إليها، أريد، أن أسألها عما إذا كانت مصاحبتي إياها تثير ظنونا واتهاما، ولكني رأيت فجأة امرأة تَحُشّ في جانب الطريق، فابتلعت سؤالي.

وفي طريقنا هذا التقينا بثلاثة شبان، فخفت منهم إذ رأوني معها، ولكنهم ما زادوا على أن حيوني، أو البادي بالتحية هو أنا، لا أذكر، واعترض أحدهم طريق صاحبتي يداعبها فقالت له:
ـ دعني فإني مستعجلة.

فأحسست بقلبي يتنزى في صدري غيرة، وكأنها مِلك لي، ما أعجب قلب الإنسان!

 ولم تنقض إلا ثوان حتى فارقتني قائلة:
ـ اسلك هذا الطريق فإنه سيقودك إلى مقصدك.
فقلت، وأنا أشير إلى الطريق، لا لشيء إلا لأني أريد الحديث إليها، وإلا فالطريق أمامي واضح، قلت:
ـ هذا؟
ـ نعم.
فشكرتها وقلبي لا يريد فراقها.

اتخذت طريقي، ولكني ما عتمت أن ضللته في تلك المدرجات التي هي كل مزارعهم، فصرت أخبط فيها حتى اهتديت إليه بعد جهد وتنقيب. فقادني نحو الجامع، ولكن ما إن اقتربت منه حتى ضللت مرة أخرى في مدرجات جديدة حديثة العهد بالسقي، وكثيرا ما تزلق رجلي، فأقع وأنهض، لأسقط مرة أخرى، والظلام قد خيم، والناس قد آووا إلى ديارهم، ولا أحد أسترشده، والكلاب تنبح علي، ما أقسى القدر علي!

وقد يراني شخص وراء داره فيظنني لصا، وقد يراني آخر وأنا أدوس في مزرعته خضره، فأتعرض لشرهما!!

وبعد محاولات يائسة عثرت على طريق قادني نحو منزل، تجمعت بفنائه نساء وفتيات، ولكن الظلام حال بيني وبين استطلاع تلك الوجوه، فناديت صبيا وقلت له:
ـ دلني على الطريق، جزاك الله خيرا.
ففعل....
                يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019