وإن كنت في شك مما أقص فاسأل الذين تجولوا في تلك
المنطقة. ومساجد إلبنسيرن أو أكثرها على هذه الجديلة، قديمة تبعث الرهبة والخوف في
القلوب.
وإمام هذا المسجد من "إداومحمود" ولما عرجت عليه لم أجده، فظننته ذاهبا إلى داره لأن اليوم
يوم الأربعاء، وهو بداية العطلة الأسبوعية في المساجد، وحين خرجت وجدت صبيا في
الفناء، فسألته عنه فقال: ذهب لرعي حماره!
وقد وجدت في الدهليز حين دخلت بردعة.
وفي نيتي أن أذهب إلى موضع يدعى "تمزكادوين"
حيث يقام السوق يوم الخميس، فسألت ذلك الصبي عن الطريق فأجاب، ولسان حاله يقول: ما
المسؤول بأعلم من السائل، اجاب:
ـ عليك أن تسلك الطريق الذي يسلكه أبي!!
أليس هذا من تفسير الماء بالماء؟!
وطفقت أخبط في واد وأشجار حتى عثرت عليه بعد جهد، فطويته
في ظرف ساعتين، وهو طريق سهلي. وصلت إلى تمزكادوين قبيل الظهر فاسترحت ثم توضأت
وانتظرت حتى أذن المؤذن، فصلينا نحن الاثنين، وإمام هذا المسجد لا يؤدي فيه إلا
صلاة الجمعة، وهو في مدرسة بوعثمان في "شيشاوة" أو "أنزوت".
وبعدها توجهت إلى مسجد آخر قريب، فوجدت إمامه فقيها كنت
أعرفه في مدرسة إداومنو، وهو من متوكة، فبت عنده تلك الليلة، وسألته كما هي عادتي
فكان جوابه ما عرفته من قبل.
وبعد صلاة العصر خرجت للتنزه في هضاب هناك، وحين رجعت
مررت بفتيات كواعب أتراب، فجعلن يصحن، وإذا التفتُّ إليهن يقمن بهز أردافهن، ثم إن
واحدة منهن تناديني:
ـ يا أسود! يا أسود!
وكانت صاحبة لها تنهاها ولكنها لا تتورع!
وفي هذا المسجد التقيت بفقيه من "تزندوت"
بإداوتنان، وكان هو أيضا يبحث عن الشرط، وهو أب لستة أولاد، وكان يغبطني لأنني عزب،
قال لي:
ـ كان سيذهب إلى "تمدغوست" بإداومحمود، ولكنه
رأى في السوق رجلا من ذلك الدوار، فأخبره أنهم في غنى عنه، فتركته وهو يبحث عن
رجال آخرين ليؤكدوا له صحة الخبر.
وقد تصفح هو الجزء الأعلى من إداوتنان بينما تصفحت أنا
الجزء الأسفل كما قال لي.
ولما غادرت هذا المسجد توجهت شرقا نحو إداومحمود.
وفي طريقي وقع لي حادث. لولا أن الله سلم. ذلك أنني أمشي
بين ديار، والشمس حارة فوضعت حقيبتي على رأسي اتقاء للحرارة، وأنا أجتر آلامي
وأفكر في مصيري إذا بكلب أسود مخيف هجم علي من الخلف، فاستدرت وليس في يدي ما
أحذفه به، فكاد والله يعض علي، فالتقطت حجرا صغيرا ورميته به، وقد سرت في أوصالي
رعدة، وتغير لوني تغيرا واضحا، فلو نظرت في المرآة لما عرفت نفسي!
وصلت إلى دوار بإداومحمود يدعى "تمسولت" بعد
ثلاث ساعات فقصدت المسجد كما هو ديدني، فلم أجد الإمام، ذهب إلى السوق. فانتظرته
ساعتين، ولكنه لم يحضر، فاستأنفت طريقي حتى أتيت موضعا يسمى "أملال"
فقيل لي: إن الإمام ذهب إلى داره، فأيقنت أن علي أن أتقدم إلى الأمام، ففعلت حتى
أتيت دوارا يدعى: "تافيلالت" في السادسة إلا ربعا!
وهكذا قضيت هذا اليوم، وأنا جائع، أمشي من العاشرة صباحا
حتى السادسة مساء إلا الساعتين اللتين قضيتهما في انتظار إمام "تامسولت".
ولم أصل إلى "تافيلالت" حتى لم أعد أقوى على
المشي، ولسوء حظي وجدت إمام هذا الدوار غائبا هو أيضا!
وبعد ما صليت الظهر والعصر استدعيت شابا وطلبت منه أن
يأتيني بطعام، فقال لي:
ـ دارنا بعيدة!
ثم استدعى طفلا فطلب إليه أن يأتيني بالطعام، ثم استدعى
هذا الطفل طفلا آخر فطلب إليه ما طُلب منه هو!! فعرفت أن القدر يسخر مني.
ومن سخريته المريرة أني حين وصلت جلست بفناء المسجد،
فمرت بي فتاتان، كانت إحداهما تنظر إلي، وتضع يدها اليمنى على ثدييها وتبتسم، وهي
غليظة، وأما الأخرى فكانت تكشف عمدا عن ملابسها الداخلية!! وأما أنا فقد كنت أتحرق
شوقا إلى الطعام والراحة فيا للعجب!
وهكذا عقدت العزم على أن أقضي ليلة سوداء بالجوع والبرد
والنوم على حصيرة، كما قضيت النهار في المشي والجوع!
ولكن الله رحمني، فبعد ما صليت المغرب أتاني صبي بحريرة
وقال:
ـ سآتيك بالعشاء بعدُ.
وبعد صلاة العشاء أتاني بما وعد، ثم إن رجلا آخر أتاني
بعشاء أطيب وغطاءين فله شكري الحار.
وقد تحدثنا بعد ذلك طويلا، فأخبرني أن مسجدهم هذا حولوه
إلى جامع، فاضطر الإمام للذهاب إلى تارودانت للحصول على "تزكية الجمعة"
ولكنه غاب مدة أسبوعين، فاستنتجت من ذلك أنه لن يعود.
هذا وقد علمت من مصدر آخر أنهم حولوه إلى جامع، وإمامهم
هذا يلح عليهم ألا يفعلوا!
وقد أخبرني هذا الرجل أن إمامهم هذا كان يعمل بمعمل
الصباغة بأكادير، ويحسن إلى أبيه، ولكن هذا الأب يرفض إحسانه، ويطلب منه أن يشارط
إذا أراد أن يرضى عنه! فاضطر الولد "الإمام" أن يتخذ حرفة الزمنى مصدرا
لرزقه، فلعنة الله على بعض الآباء! ويرحم الله عبدا قال: آمين!
ولا أنسى أن
شخصا آخر أتاني بعشاء، ولكني رددته، لأني تعشيت، وهؤلاء الناس كرماء، فجزاهم الله
خير الجزاء!
وفي الصباح أتاني صاحب العشاء الأطيب بحريرة وقهوة،
فشكرته.
وقد لاحظت في إداومحمود فتيات جميلات، ولكن جمالهن
ممتهن، فقد كن يقمن بأعمال شاقة: يزرعن، ويقتلعن، ويسقين، ويحملن على ظهورهن حزما
من الحشائش، كانهن أُتُن!!
ولا أدري لماذا يؤلمني أن أرى فتاة أو امرأة تقوم بمثل
هذه الأعمال الشاقة، فالمرأة في نظري لم تخلق إلا للتمتع بالحياة وإسعاد زوجها
الذي يشقى من أجل المعيشة، فإن فرضت عليها الخدمة فيكفيها القيام بالأعمال
المنزلية، فهل كنت مخطئا؟
ثم استقبلت طريقي حتى أتيت دوارا يدعى: "إِكن"
وهو آخر دوار من الجزء الذي قطعته من إداومحمود، وإمامه من "إلبنسرن"
وهو طاعن في السن قليلا، فتناولت الفطور عنده.
وقد جلسنا في شرفة تطل على ساقية، فشنف خرير المياه
أسماعنا، وأما أعيننا فقد كانت تتملى الطبيعة الخضراء، ألم تنتشر أشجار اللوز
والجوز والزيتون في كل ما يحيط بنا؟
ثم سألت الإمام عن مقصودي، فقال:
ـ ليس في علمي أن دوارا لم يشارط، اللهم إلا "أَلُوس"
ولكني أرسلت إليه فقيها قبل أيام، وهو أي الدوار بعيد جدا في جبال شاهقة باردة
نظرا للثلوج التي تتعمم بها، ثم أضاف: أراك مخطئا في رحلتك هذه، فقد خرجت في وقت
غير مناسب، كان عليك أن تتريث حتى تنقضي عواشر عيد الأضحى، ولكن لا بأس، فالإنسان
لا بد أن يقوم بما كتب عليه!
وبعد ذلك أرى لزاما علي أن أرحل فودعته وشايعني طويلا،
ثم عاد.
وهكذا تركت إداومحمود مستقبلا "إداونزال"
فقصدت موضعا يدعى "إِطُّرَّا" وقد جبت إليه طريقا جبليا لولبيا، فتعذبت
كثيرا، لألم في ركبتي يصعب علي أن أرتقي درجا أو سلما إذا كان طويلا، فكيف بمثل
هذه الجبال الوعرة؟!
لم أصل إلا والعرق يتصبب مني كالماء، ولما أشرفت على
الدوار بعد ساعتين صارت النسوة والفتيات والصبية يستشرفونني، وقد اتسخت ملابسي،
ولعلهم يظنونني إنسانا مختل العقل، يهيم في تلك الجبال، ومما يزيدهم يقينا أنني
حين اقتربت من المسجد رجعت لحاجة إنسانية، وكانوا يتحدثون عني في كل مكان، فقد
مررت بمنزل تطل نافذته على الطريق، فسمعت امرأتين تتحدثان عني، فقالت إحداهما:
ـ لبس جلبابا أبيض...
ولم تلفظ هذه الجملة حتى رأتني من خلال النافذة فقالت:
ـ ها هو ذا؟!
دخلت المسجد، والناس يستعدون لأداء صلاة الجمعة، فسألت
عن بيت الفقيه، فأرشدت إليه، فاستأنست وسلمت عليه، فرد بأحسن منها، وجدته يكتب
تمائم.
يتبع
