وبعد محاولات يائسة عثرت على طريق قادني نحو منزل، تجمعت
بفنائه نساء وفتيات، ولكن الظلام حال بيني وبين استطلاع تلك الوجوه، فناديت صبيا
وقلت له:
ـ دلني على الطريق، جزاك الله خيرا.
ففعل. وصلت المسجد، وهم في الربع الأخير من الحزب
الراتب، فانتظرت حتى خرج الإمام، وهو طويل، ولم أتمكن من رؤية وجهه، لأن الظلام
حالك، وهو من "إمنتاكن".
فسلمت والتسليم ليس يسره**ولكنه فرض على كل
جانب
ولم يصافحني، وأبى أن يضيفني، ذلك أنه أقفل باب المسجد،
وهو يقول:
ـ هذا المسجد لا يبيت فيه الضيوف!
ولكنه استدعى تلميذا فقال له:
ـ اذهب به إلى
المسجد القديم، وآته العشاء!
فاستعذت بالله من هذه الليلة، فقادني ذلك التلميذ إلى مسجد
قديم مهجور، وسط مقبرة موحشة، كل ما فيه يوحي بالخوف ويغري بالفرار، ولكن تحتم علي
أن أبيت فيه، وجدت "المقصورة" فرشت بحصير، وقد ألقي عليه موكيت بال،
وأضيئت فيها ثلاث شمعات.
هناك تركني التلميذ على أن يأتيني بالعشاء، وطلبت منه أن
يزودني بلحاف فأبى!! فتوسلت إليه، لأن البرد في تلك الجبال قارس، كيف لا، وقد
تعممت بثلوج؟ ثم خرج.
وبعد قليل دخلت صبية وامرأتان وشابة، وأشعلن شمعة رابعة
في فناء المقصورة ثم سألتني إحدى المرأتين:
ـ أتبيت هنا!
ـ نعم.
ـ لماذا لم تذهب إلى المسجد الجديد؟
ـ أبى الفقيه أن يضيفني هناك!
ـ والعشاء؟
ـ إذا أردت أن تفعلي خيرا فآتيني أغطية فقط وجزاك الله
خيرا.
فوشوشت في أذن صاحبتها كلاما لم أتبين منه شيئا، فقالت
لها صاحبتها:
ـ ائتيه بالعشاء واللحاف!
ثم خرجن، ولم يفعلن شيئا مما طلبت.
وبعد صلاة العشاء أتاني التلميذ بعشاء حقير، ولكنه على
كل حال خير من لا شيء، وهو عبارة عن: "أَبَدّازْ"
ولحاف بال قصير، تعاورته الأيدي حتى ذهبت لُحمته وسَدَاته فشكرته.
وسألته مغضبا محنقا:
ـ من أرسل هذا العشاء؟
ـ هو من عندي.
ـ وهذا اللئيم أهكذا يعامل ضيوفه؟
ـ نعم، وهذا ديدنه، فقد بات هنا فقيه من حاحة قبل أيام
بغير عشاء ولا غطاء!
ألا لعنة الله على هذا اللئيم وأمثاله!
وهكذا بت في هذه المقبرة فريسة البرد القارس والخوف
الشديد. واتخذت نعليّ مخدة، وطفقت أفكر في حالتي هذه: لماذا أتجشم هذا العناء؟
وأقاسي آلاما جساما؟ وأعرض نفسي لأخطار في الطريق التي أجوبها وحيدا؟ نعم، كان
الناس يقاسون هذا وأكثر منه، ولكن من أجل أسرهم وإسعادها والترفيه عنها، أو محاولة
تكوينها، أما أنا فقد طلقت هذه الأمور كلها، ففيم أشقى إذن؟ أن أعيش؟ أجل، أن أعيش!!
ولكن هل تستحق هذه المعيشة كل هذ العناء والمعاناة؟ وما الفائدة من هذه الحياة
المضنية؟ وما معنى أن أشقى وأتعب لأعيش؟ أليست الحياة عبثا في عبث؟
وهكذ ألقي على نفسي هذه الأسئلة الكافرة التي تؤدي بي
أحيانا إلى الكفر بالله تعالى، أو على الأقل الشك في وجوده والاستخفاف به! فتبدو
لي الحياة عبثا في عبث، فأفكر في الانتحار!
وكثيرا ما أقع فريسة لهذه الأفكار السوداء، وحين تنقشع
أندم وأستغفر الله بحرارة، وأدعوه بخشوع أن يقيني شرها، ولكنها تنتابني بين حين
وآخر!
وعلى هذه الأفكار نمت نوما متقطعا، تتخلله أحلام مزعجة!
ترى لو علمت صاحبتي التي دلتني على طريق هذا الدوار
اللئيم أني سأقضي ليلتي هكذا، هل تتركني أبيت في هذا المسجد أو بالحرى هذه
المقبرة؟ تمنيت أن أراها في الصباح لأخبرها، فأعرف رأيها، وظني بها أن ستنكر ذلك
أشد الإنكار، فوجهها المليح ينم عن طيبة قلبها الحنون.
حاشية: أذكر أني يوم كنت أدرس في
تارودانت ذهبت عند حلاق معروف بحلاق طلبة الجشتيمية، والحلاقون بطبيعتهم ثرثارون،
مهرة في الاستنطاق والاستجواب، ولا أنجو من استجوابهم إلا بالصمت المطبق، أو بالاقتصار
على جوابهم بنعم أو: لا!!
وجدت عنده فقيها مشارطا في ضواحي
تارودانت، فصار يسأله عن شؤون المسجد والناس وأحوالهم ومعاملتهم، والإمام يجيب
بطلاقة، وأنا أسمع، فأحسست بنفور وبغض وكراهية لتلك الأحوال، فحلفت بالله لئن قدر
علي أن أشارط لأنتحرن!!
ولعل الله أراد أن يبتليني بذلك فقد شارطت
سنين عددا وتجرعت مرارته ومذلته وهوانه ومرضه وفقره وشقاءه حتى الثمالة، أليس هذا
جبنا ونكثا وحنثا وخُلفا؟ بلى، ولكن ذلك خير من شجاعة الانتحار!!
وقبل أن أغادر هذه المقبرة أريد أن أجري مقارنة بين فتيات تلك القبائل وفتياتنا في
حاحة، أرى أن أولئك الفتيات أجرأ وأشجع، فلم أر قط فتاة تهرب من وجهي، أو تسكت إذا
سألتها وتبخل بالجواب، فكم مرات ضللت الطريق فأرشدنني إليه، وهذه مزية لهن، وكم
مرات أنقذنني من مهارشة الكلاب، وقد يقودك الطريق إلى دوار لا تجد فيه رجلا، فيقمن
مقام الرجال أما عندنا فلا يبصرن رجلا قريبا أو بعيدا حتى يتوارين، ولا أحمد لهن
هذا التصرف، لأنه ليس من الدين في شيء، وهذا بالإغراء أشبه، وإلا فلما يستطلعن
الغريب من الكُوَى أو من خَصاص الباب، تلك عادة مَشينة، تصور رجلا وقع له في هذه
الديار ما وقع لي في تلك، ما ذا تكون النتيجة؟
وقد يكون ذلك بقايا غيرة ذكرها الوزاني (ليون الإفريقي) في
كتابه "وصف إفريقيا".
وفي الصباح قمت من فراشي الوثير، وانتعلت مخدتي الناعمة،
وحمدت الله إذ حفظني من اللصوص تلك الليلة الجميلة الحلوة، ثم صليت الصبح في
السابعة كما هي عادتي في أكثر أيام هذه الرحلة التعسة.
ولما فرغت منها رأيت مسمارا مغروزا فوق المحراب، وقد علق
عليه شعر امرأة، فاستعذت بالله من كيد النساء، ورأيت ساعة جدارية فأردت أن آخذها
انتقاما من أولئك اللؤماء أو أن أكسرها ولكن أخاف أن يضبطوني، ثم رأيت أن ذلك تصرف
حقير لا يليق بي.
غادرت تلك المقبرة مستنزلا اللعنات على اللؤماء.
وفي الطريق وقع لي حادث، لو لا أن الله سلم لكسرت يدي اليمنى
في الكوع، ذلك أني هبطت طريقا منحدرا وعرا، فزلقت رجلي فوقعت بعيدا، والناس قد
خرجوا من ديارهم، فهذا يسوق غنمه، وذاك يقود بقرته، وآخر يحفر في مزرعته، ورابع
يتمطى في السطح، وامرأة تنادي بعلها أن ائت بالنعناع إذا عدت، وأخرى توصي زوجها
وهو يتأهب للذهاب إلى السوق، أما أنا فقد أصبحت ألعوبة في يد القدر الساخر القاسي،
يُضحك الناس علي، فإلى من أشكو يا سيدي؟ أإلى الله؟ فقد يئست من رحمته الواسعة!!
حاشية: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم!
وبعد قليل التقيت برجل على بغلة فسلم علي، فرددت عليه، وسألني: كيف
الحال؟ فقلت:
ـ حال من يصبح يلعن أهل "إركيتن" كلهم أجمعين.
ـ لماذا؟
فحكيت له خبري الأسود، ثم أضفت:
ـ أنا متجول منذ خمسة عشر يوما في إداوتنان وإداوزكي
وإلبنسرن وإداومحمود، ولم يقع لي ما جرى لي في قبيلتكم هذه، أكلهم لؤماء؟ إن
اليهود أحسن منهم!
ـ معاذ الله! لسنا سواء.
فلعنت أمامه إمام ذلك الدوار اللئيم وقلت له:
ـ بلغه لعناتي، والعنه أنت مع اللاعنين!
ـ سأفعل، ويؤسفني ما وقع لك، ولولا أن داري بعيدة، وأنا
ذاهب إلى السوق لأرينك أننا كرماء.
ـ دلني فقط على الطريق إلى ذلك الجامع الذي تظهر صومعته
شامخة.
ففعل، ولما دخلت طلبت من الفقيه، وهو من إداومحمود، قصير
القامة، حليق الذقن، وهو متزوج، أب لبنية صغيرة، طلبت منه أن يأتيني بالفطور ففعل،
ودواره يدعى: "أَوْزْلْضا" ولما أفطرت سألته عن اسم ذلك اللئيم والدوار،
فأعطاني عنوانه الكامل، والدوار يدعى "تكْلْيَان"
وقال:
ـ إنه الأم الناس، بخيل، لا يتحلى بأخلاق الإسلام، بل
ليس مؤمنا، لأن المؤمن لا يكذب، كما في الحديث، وهو كاذب حين قال لك: "الضيوف
لا تبيت هنا" وقد كان بجانب المسجد بيت خاص بالضيوف.
ثم سألته عن بغيتي، فقال:
ـ كل المساجد التي حولي مشارطة.
وإذ رآني قلقا مكتئبا قال:
ـ لا تقلق، فقد كنت قبل أن أشارط هنا أبحث عنه ثلاثة
أشهر كاملة ولم أجد شيئا.
وحين ودعته سألني هل تعرف حكيما من الحكماء الذين
يستخرجون من الأرض الكنوز والدفائن وقال:
ـ إذا عرفت أحدا منهم فائتني به!
ثم صافحني داعيا لي بالتيسير والخير. ثم توجهت إلى مدرسة
"تمسولت" العتيقة فوصلتها بعد ساعة، وهي مدرسة قديمة، وقد رمم أكثرها،
ويوم دخلتها وجدت مبلطا يبلط جدران المسجد.
يتبع
