-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

6 ـ البحث عن حرفة الزمنى







ها أنا ذا أصل إلى مسجد "إِكْبار" بعد ساعة ونصف الساعة من السيرالحثيث، وقد ابتلت جوانحي، وتفصد جبيني عرقا، واغبرت رجليَّ، والشمس حارة.

وكان إلى يسار الداخل مرحاض، فدخلته لأغسل قدميّ المُغْبَرّتَين، ولكن لم أعثر على ماء، فجلست حتى استرحت، ثم دخلت على الفقيه، ففاجأته وعانقني، وكنت قد عرفته في مدرسة "إداومنو" أيام الطلب.

قضيت عنده يوما وليلة، وسألته عما أبحث عنه فقال: لا أعرف بجواري مسجدا شاغرا.

ولما ودعته في الصباح تركت عنده حقيبتي الثقيلة، فلم أحمل معي إلا بعض الملابس الضرورية والكتيبات التي لا تفارقني.

وهكذا رجعت إلى أمسكرود، وسلمت في طريقي على تلك الشجرة المباركة وما حولها، انطلقت من أمسكرود إلى إخرضيضن على متن سيارة انتظرتها حتى يئست.

وفي "إخرضيضن" قصدت مسجدا قريبا، وكان قديما لعله بني في عهد نوح عليه السلام، يوحي منظره بالخوف والاشمئزاز، ولم أجد فيه الإمام، فتوضأت، لأن الظهر قد حان، ولم أجلس إلا قليلا، فإذا الفقيه يدخل، ويدعى الحسين، وكان أقطع، جهوري الصوت، وينتمي إلى نفس الدوار.

 وبعد ما تعارفنا صلينا الظهر وتغدينا بالطعام (السميذ) ولم أشرب الشاي عنده لأن الأقداح متسخة، والبراد أوسخ منها، وقد عرض علي شربه فاعتذرت بأني لا أشربه بعد الطعام، مع أني قمت بإعداده، لأن الفقيه كما قلت، أقطع. وكان إذا تكلم في أثناء الغداء تنطلق حبات السميذ من فيه فتقع علي!

وقيل لي بعد ذلك: يلقب بالجاهل! وتصرفاته تدل على ذلك، ثم إني سألته عن ضالتي فكان جوابه كجواب السابقين.

ثم غادرته إلى مسجد بدوار يدعى: "تزي" وصلت إليه بعد العصر، فطلبت من الإمام ماء لأتوضأ فأتى به.
 وبعد ما صليت العصر نمت حتى رفع أذان المغرب، فطلبت من صبي أن يأتيني بوَضوء، ففعل. وبعد صلاة المغرب خرج الإمام وأنا أتنفل، ولم يكلمني.

ثم إني أخرجت من حقيبتي كتيبا فرنسيا أطالعه حتى رفع أذان العشاء، وبعد الصلاة أتاني الإمام بالعشاء وهو عبارة عن: الشاي ورغيفين وزيت الزيتون، وأخذ يسألني وأسأله، فعرفت أنه من الزاوية المحصرية، ويبدو من معاملته أنه يكره الضيوف، وسألته عما كنت أبحث عنه فلم أجد عنده شيئا.

وبعد تناول العشاء خيرني بين المبيت في المقصورة أو في المجلس، فاخترت هذا، وهو عبارة عن ساحة مسقوفة أمام المقصورة.

 وبعد ما استسلمت للرقاد أيقظتني فأرة هاجمت حقيبتي، فأشعلت الشمعة فهربت، فبحثت عنها في الزوايا وتحت الحصائر، ولكن لم أعثر عليها. فعدت إلى مرقدي وأنا على يقين أنها ستزعجني، ولكنها رحمتني فتركتني ونومي اللذيذ، ولعلها تعرف أنني تعب منهوك، فلها الشكر على ذلك!

وفي الصباح تناولت فطورا لا يختلف عن العشاء في كثير ولا قليل، ثم توجهت إلى سوق "أركانة" على متن سيارة "بيجو" فقطعت مسافة طويلة في ظرف عشرين دقيقة أو أكثر بقليل بسرعة فائقة في صباح بارد، وفي طريقنا هذا مررنا بسد عبد المؤمن.

ولما وصلت إلى الطريق المؤدي إلى السوق نزلت، وكانت هذه السوق تبعد عن هذه الطريق بألفي متر، وفي طريقي إلى السوق اعترضني وادٍ، رأيت الناس يكشفون عن سيقانهم لعبوره، ففعلت ما فعلوا، وكانت مياهه صافية أشد الصفاء، وعذبة كما أنها باردة أشد البرودة، فلم أعبره حتى أحسست برجلي، كأنهما متجمدتان، والمياه تجري فيه طيلة السنة.

وبعد ما قمت بجولة في السوق بدا لي أنه سوق فقير، وكل ما فيه ينم عن فقر مدقع، والناس ذوو هيئات وثياب تثير الشفقة، وكانوا يشكون غلاء الشعير والخضر وفقرهم الشديد.

ثم غادرته إلى دوار، لا أتذكر اسمه، فوجدت باب المسجد مقفلا، والإمام غائب، فجلست على صخرة أمام الباب، وكان هذا المسجد كباقي مساجد تلك المنطقة وديارها عتيقا فقيرا.

والفتيات العوانس في هذا الدوار أكثر من الهم على القلب، وأذكر أنه جاءت فتاتان، وجلستا قبالتي، وأنا على تلك الصخرة، فجعلتا تخالسانني النظر، وتتحدثان بصوت مرتفع بحيث أسمع حديثهما، وبعد برهة قامتا، وفي يد إحداهما شيء لا أتذكره، اتخذته بمثابة الطارة، وجعلت تضرب عليه، وتغنيان متجهتين نحوي، ومرتا أمامي، وكانتا دميمتين.

ثم إن فتاة لا بأس بجمالها مرت بي من قبل صاحبتيها الدميمتين، وقد أرسلتها أمها لتأتيها بالعجين، وطفقت تكشف عن ملابسها الداخلية وساقيها لتغويني، ولكني في غفلة عن إغوائها، فقد كنت عطشان، جوعان، تعبان، غضبان، فأنا إلى الماء والخبز والراحة أميل!!

ثم تركت هذا الدوار إلى دوار آخر يدعى "تُوفْسِيرْتْ" فمررت بفتيات ونساء كثر يغسلن الثياب في الوادي، وصلت إلى مسجد "توفسيرت" قبيل الظهر، فتوضأت وانتظرت حتى أتى الفقيه من السوق بعد الظهر بكثير، وصلينا ثم أتاني بالغداء.

وبعد صلاة العصر سألته عما كنت أبحث عنه كدأبي مع السابقين فقال:
ـ كان جديرا بك أن تتخذ حرفة، ولا تمتهن شبابك وتنفقه في استرضاء اللئام وتعليم أولادهم!

أجبته بما أجبت به الفقيه محمد أمزيل.

وكان هذا الفقيه طويل القامة، أبيض اللون، وهو من "إداوبوزيا" متزوج من امرأتين، وكان إلى جانب الشرط خياطا يرتق الثياب، وعلى هذه الحرفة يعتمد في رزقه كما قال لي.

ثم ودعته وتابعت طريقي إلى الأمام حتى أتيت دوارا يدعى  "تَوْريت" وهو آخر دوار بإداوزكي، وإمامه من "إلبنسيرن" وكان ضخما، جهوري الصوت، طيبا سمحا جدا.

ولما فرغنا من قراءة الحزب الراتب دعاني قائلا:

سنذهب عند فلان لتناول "النوبة".

ومن عادة هؤلاء الناس أن من تعلقت به النوبة يدعو الفقيه إلى داره. ولهذه العادة مزاياها ومساوئها.

وكان صاحب النوبة شابا أسود طروبا ظريفا، ذا نوادر ونكت، وكان أبوه يعمل في فرنسا، وقد استدعى معنا شابا آخر قد رسب مؤخرا في امتحان التفتيش (l'inspecteur) وهو الآن يضيع وقته في الدوار على حد تعبيره، وكان هو أيضا ظريفا، أخباريا فقضينا معهما ساعات حلوة، ولم نعد إلا في العاشرة والنصف بعد تناول عشاء دسم، وزدني صاحب النوبة بأغطية، لأن الليلة باردة فله الشكر.

وبعد ما صلينا العشاء في غير وقتها استقبلنا مراقدنا بشوق شديد، فلم أستيقظ إلا في الساعة السابعة صباحا، فصليت الصبح في غير وقته أيضا، ثم تناولت حريرة وشايا.

انتظرنا حتى التاسعة أو العاشرة، ثم ذهبنا عند الشاب الأسود لتناول الفطور، وهو عبارة عن الشاي أولا ثم الأَرُزّ باللبن.

وبعد ذلك فارقت الإمام، وهو يطلب إلي أن أبقى عنده يوما آخر أو على الأقل حتى أتناول الغداء، ولكني مصر على الرحيل.

وهكذا غادرت قبيلة إداوزكي لأستقبل قبيلة "إلبنسيرن" فعرجت على دوار لم أعد أتذكر اسمه، فسألت عن المسجد حتى اهتديت إليه، فدخلته، فاستوحشته: مسجد لوقيل لي: اسكنه سنة كاملة بل شهرا واحدا على أن تسكن فسيح الجنان بغير حساب لرفضت ذلك الاقتراح غير مأسوف عليه.

وإن كنت في شك مما أقص فاسأل الذين تجولوا في تلك المنطقة. ومساجد إلبنسيرن أو أكثرها على هذه الجديلة، قديمة تبعث الرهبة والخوف في القلوب.
يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019