-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

5 ـ البحث عن حرفة الزمنى





غادرت تلك الزاوية متجها نحو: "إكبار" بإداوزكي حيث يشارط صاحب لنا، والطريق إليه أطول من شهر الصوم، فهو يرتفع في تلك الجبال حينا، وتارة ينحدر، كما أنه يمتد طورا، ويلتوي كرات أخرى، فصرت أطويه بصبر وجلد وعلى ظهري حملي الثقيل. وصلت إلى سوق تدعى "أسكا"، فوجدت فيها شاحنة تفرغ حمولتها، فاستبشرت بها لعلها تكفيني متاعب الطريق، فسألت السائق:
ـ هل أنت ذاهب إلى أمسكرود؟
ـ لا، لن أذهب إلا إلى مكان قريب من هنا.

ثم سألت مساعدا له عن الطريق المفضي إلى "إِخْرْضِيضْن" فقال: هو هذا الذي يمتد أمامك.

وبينما أقدم له شكري إذا بالسائق يناديني أن اركب معنا حتى ذلك المكان القريب، ففعلت، فطوينا مسافة طولها أربعمائة متر على الأكثر ثم نزلت.

تركتهم ورائي واستأنفت طريقي، فعبرت واديا، وشرعت في تشمير طريق حلزوني، وبعد نصف ساعة سمعت هدير الشاحنة ورائي، وهي تنهب الأرض نهبا، فاستيقنت أن السائق كاذب، فانتظرت، ولكن لما اقترب مني ما زاد على أن أشار بيده تحية وسلاما، فعلمت أنه لا يرغب في مرافقتي، فهل يخاف مني؟!

وهكذا قطعت هذا الطريق إلى إخرضيضن في ظرف ثلاث ساعات، ثم استرحت قليلا لأعود إلى سيرتي الأولى، وكنت أشير إلى الحافلات والطاكسيات، ولكنها تمر كالبرق، فأيقنت أن من المفروض علي أن أجوب هذا الطريق مشيا حتى أمسكرود.

وهكذا وقع، فطويته بعد ساعتين وربع الساعة، ولم أصل أمسكرود حتى أصبحت منهوكا عطشان!

وفي طريقي هذا رأيت رجلا رث الثياب، أشعث أغبر، فخفق قلبي مخافة أن يعتدي علي، وقد خشيت أن يكون من قطاع الطرق، وأنا ضعيف، تعب، لا قبل لي بمقاومته!

وإذ كنت منه قاب قوسين أو أدنى تتابعت حافلا وشاحنات وسيارات، فاستبشرت بها إذ شجعتني قليلا، ولكن ما إن أصبحت أمامه ـ وأنا في جانب الطريق الأيمن، وهو في جانبه الأيسر ـ حتى ابتلع منعطف تلك الحافلات، فسلمت عليه، فرد علي، وكأنما رد روحي، فحمدت الله تعالى، وبعد خطوات التفت ورائي لئلا يتبعني، ثم ابتلعني ذلك المنعطف أنا أيضا.

ولما وصلت أمسكرود دخلت مقهى، فارتميت على مقعد وطلبت مبردا، فصرت أعب منه عبا حتى استرجعت راحتي!

 وكان رجل تدل ملامحه على أنه قروي جالسا قبالتي، فاتجهت إليه وسألته عن الطريق المفضي إلى "إِكْبَار" فأرشدني إلى طريقين: طريق قصير، ولكنه غير آمن لأنه خلاء، وطريق آمن، ولكنه طويل وطويل، وقال:
اليوم يوم السبت، وكانت سوق تقام بموضع ـ لا أذكر اسمه، الناسي هو ابن فطومة ـ والبيجاوات تعود منه الآن، فما عليك إلا أن ترافق واحدة منها حتى موضع يدعى "بوزْكّار" ومنه تنطلق إلى إكبار على قدميك. فشكرت له.

خرجت إلى الطريق حيث انتظرت حتى سئمت! شهد الله أنه لم تمر بي إلا بيجو واحدة، ولكنها لم تقف، فعلمت أني غير موفق.

وإذ رأيت الشمس تودع عالمنا هذا سألت رجلا عن مسجد أبيت فيه، فدلني على مسجد قريب في دوار يدعى "زاوية أكني" فيممته.

وحين دخلت ووضعت الحقيبة في المقصورة تركت الباب مفتوحا، وكانت ريح شديدة تهب، فتضرب بالباب يمينا وشمالا، وأنا أتوضأ، فسمع الإمام الباب يستغيث من تلك الريح العاتية، فخرج من داره ليرى ما الأمر، فالتقينا على العتبة إذ كنت سبقته إلى إغاثة هذا الباب المترنح، فسلمت عليه فرد بأحسن منها، وسألني الأسئلة العادية: كيف حالك؟ ومن أين أتيت؟ وما اسمك؟ فأجبت، وسألته أنا أيضا، فعرفت أنه من "إداوتغما" ويدعى محمد أمزيل، وكان متزوجا، ولكن أسرته تقيم بماسة، وكان في ذلك الدوار عزبا مثلي كما قال لي.

ولما قلت له: جئت من إخرضيضن إلى أمسكرود مشيا قال:
ـ على السلامة، إذ نجوت من قطاع الطريق، وقد سلبوا فقيهين متجولين في الأيام القليلة المنصرمة.

فعرفت أن خوفي من ذلك المجذوب في محله.

ولما تعشينا تجاذبنا أطراف الحديث، وسألته هل يوجد حوله مسجد شاغر، فعرف أني أطلب المشارطة فقال:
 ـ بئسما تطلب يا رجل! وكان جديرا بك وأنت عزب أن تطلب رزقك من طريق غير هذا.

ـ وما عن رضى كان الحمار مطيتي، ولكن الزمان أرغمني عليه، وأنا أزهد الناس فيه، وهل أملك لنفسي نفعا أو ضرا؟

على كل حال، كل المساجد التي أعرفها في "إِمْسْكِّين" مشارطة.
ثم انتقل الحديث إلى قبيلتي "إِمْكْرَاد"، فسألني هل تعرف فقيها يدعى الحسين كومانوز؟ فقلت: نعم أعرفه، وقال:
ـ كان فيما مضى يشارط في دوار قريب مني، ثم سألني:
ـ هل تعرف فقيها آخر يسمى" إبراهيم أدريس؟
ـ نعم هو عمي!
ـ عرفته أيام كان مشارطا في هوارة، ذلك أني ركبت معه في حافلة، فدار حديث بيننا، وله أخ يملك دكانا في مركز "تمنار"، وكان متزوجا من أخت زوجة الفقيه الحسين كومانوز.
ـ ذلك الأخ هو أبي....
وبعد ما تناولنا الفطور في الصباح ودعته، واتبعت طريقا إلى "إكبار" دلني عليه، طريقا محاذيا لساقية، محفوفا بأشجار النخيل واللوز والزيتون وشجيرات الورود، ولا أنيس فيه إلا خرير تلك الساقية، حتى إذا بلغت موضعا أشار علي أن أغادر فيه أنيستي الساقية، تركتها واستقبلت طريقا عن شمالي.

وبعد ذلك بقليل مررت بامرأة أو بفتاة إن صح ظني، وما أكثر ما يصح ظني! تلتقط ثمرات  أركان، فسألتها عن الطريق، ولا أدري لماذا سألتها، هل أخاف أن أضل الطريق أو أريد التحدث إليها؟!

وكانت جميلة جريئة، فصيحة اللسان، لذيذة الصوت نغماتها تؤثر في القلب!
قالت حين سألتها:
ـ ضللت الطريق يا ابن أخي، ولكن لا بأس! ستمضي حتى "القادوس"، ثم تتجه شمالا، والطريق طويل وصعب عليك يا ابن أخي!

لفظت كلمة: يابن أخي بنغمة عذبة، نزلت على قلبي بردا وسلاما، وكانت بلسما وشفاء لتعاستي ومتاعبي! وددت لو أن الحديث طال بيننا، فأستمتع بصوتها الجميل، وأتملى طلعتها البهية، وكانت كما قال الشاعر:

من الخفرات البيض ود جليسها**إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

 شكرتها، وتابعت طريقي، وقد تركت عندها قلبي زمنا ليس بقليل! 

خلقني الله ذوَّاقا للجمال، عشّاقا له، بحّاثا عنه، ماديا كان أو أدبيا، فكما تطربني القصيدة الجميلة يستهويني الوجه الصبيح، وكما تهزني الحديقة الغناء تثيرني القدود الملاح، وكما أحب في هذا الدماثة والتواضع والاستقامة والصدق والتفاني أهيم في تلك بالخد الأسيل، والطرف الكحيل، والخصر الضامر، والصدر المتحدي، ومن حرم هذا فليبك على نفسه! وسبحان من زين ما زين! ولا عزاء لبليد الإحساس، وجامد العاطفة!

ويشهد الله أني عفيف نقي، ولا حظ لي إلا في التملي بالعين والتلذذ بالسمع، وما أصدق فيّ قولَ الشاعر:

     أتأذنـون لصب فـي زيـارتكـم**فعندكم شهوات السمع والبصر

      لا يضمر السوء إن طال الجلوس به** عف الضمير ولكن فاســق النـظر

حاشية: بعد هذه السنوات المديدة أشهد أن حب الكتاب، والهيام بالجمال النسوي، وعشق المنظر الطبيعي لا تزيدها الأيام إلا ضراما واشتعالا، وسوف أموت وفي القلب من ذلك جمرات تتقد!

ها أنا ذا أصل إلى مسجد "إِكْبار" بعد ساعة ونصف الساعة من السير الحثيث، وقد ابتلت جوانحي، وتفصد جبيني عرقا، واغبرت رجليَّ، والشمس حارة.
يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019