-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

3 ـ البحث عن حرفة الزمنى







والصلاة في جوف الليل تثقل على من أخذ قسطه من الراحة والنوم، فكيف بمن مرض وسهر جزء كبيرا من الليل؟!
ولما صليت الصبح جلست مكاني، فقال لي الشيخ:
ـ لا بأس، إذا أردت أن تنام حتى تطلع الشمس.
فذهبت إلى مرقدي تعبا، مكدودا، مريضا، ومن عادتي ألا أنام بعد صلاة الصبح.
اندسست تحت اللحاف مرتقبا طلوع الشمس، ويعد قليل سمعت الشيخ يغط مستأثرا بالنوم دوني، وطفقت أفكر كيف أستقبل هذا اليوم، وأنا مريض سهرت الليل إلا أقله، والطريق الوعر الطويل ينتظرني، وبجانبي حمل ثقيل (ساكوش) رباه! ما هذا العذاب الأليم؟
ولم يقطع علي حبل هذا التفكير إلا صوت غليظ يصلني من مكبر الصوت في المسجد، يقول:
ـ الله أكبر، لا إله إلا الله، الصلاة على الجنازة يرحمكم الله!
فخفق قلبي لأني أخاف أن يستيقظ الشيخ فيصطحبني إلى المقبرة والإمام غائب، فيطلبون مني أن أصلي بهم على الجنازة، وأنا لم أعرف كيف أصلي عليها؟!!
ولكن سرعان ما خطر ببالي أن أعتذر بأني مريض، ثم عزز هذا الخاطر خاطر آخر، وهو أن أرفض قائلا:
ـ أمس صليتم المغرب، ولم تقدموني إماما لكم، فكيف تطلبون مني الآن أن أؤمكم؟
ولكن الله سلم إذ لم يستيقظ الشيخ بل واصل غطيطه المنسجم!
ألا ترى أن هذا غريب كل الغرابة؟ فقيه يبحث عن مسجد يشارط فيه، وهو لم يعرف كيف يصلي على الجنازة؟!! ألا ترى أني أقحم نفسي في أمر لم أخلق له، وإن خلقت لشيء فإنما خلقت للرهبانية!
أخذت أفكر في حالتي، وكيف فرضت علي الحياة أن أطلب رزقي من مصدر كنت أكرهه أشد الكره، وأمقته أشنع المقت! وكيف أنني خلقت خلقا متناقضا، أعني كنت وحشي الطبع، وفرض علي أن أعيش حياة اجتماعية تتنافى مع طبيعتي النفور، وأنا بطبعي خجول، عاجز، ضعيف، انطوائي، منعزل، لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، رحمتك اللهم!!
وقد أتعرض لسخرية الناس، وأنا حساس أشد الحساسية، كأنني خلقت نفسي، وهل أنا إلا عبد مسير، مجرد آلة في يد القدر القاسي، وإلا فمن ذا الذي يريد أن يضحك عليه الناس ويسخروا منه؟ ومن يكره أن يظهر أمام الناس جريئا شريفا؟
وهكذا أفكر وأجتر آلامي حتى عبثت سِنة بجفنيّ، فنمت قليلا ثم أيقظني الشيخ لتناول الفطور، ولكني لم أتناول إلا يسيرا لمرضي، ثم ودعته فشايعني حتى دلني على الطريق وشكرته كثيرا.
وهكذا رجعت إلى إيموزار في طريق جبلي، وعلى ظهري حملي الثقيل، وأنا مريض. قطعت هذا الطريق في ظرف ساعة، ولما وصلت إيموزار يممت جدارا فأسندت إليه ظهري جالسا على حجر ساعة كاملة، ثم اتبعت الطريق حتى مرقت من إيموزار، وتركته ورائي، فوجدت طريقا متشعبا عن الطريق المزفت، فسلكته، وهو طريق ليس أطول منه إلا شقائي، حتى أشرفت على دوار يدعى "توكرو" ولكن الديار مغطاة بأشجار الزيتون الفارعة، فلا أتبين منها إلا قليلا، واما المسجد فلا أراه لذلك سألت رجلا عنه فقال:
ـ عليك أن تتجه نحو القبلة.
وهكذا واصلت طريقي تعبا مكدودا.
وهذا الطريق أعني من إيموزار حتى "توكرو" طويته في ظرف أربع ساعات ونصف، وقد يقطعه غيري في أقل من هذه المدة، لأني لا أمشي إلا مسافة مائة متر ثم أضطر إلى الاستراحة نظرا لمرضي، وقد أصبح رأسي كالبيضة المَذِرَة من شدة الصداع!!
وأذكر أني جلست تحت شجرة من تلك الأشجار الفارعة، فسمعت وقع أقدام على مقربة مني، فالتفتت فإذا بفتاة جميلة تمر، وعلى كتفيها الطريتين مطرة كبيرة (بوقال) ذاهبة إلى العين لتملأها، فانتظرتها حتى رجعت لأتزود من وجهها المليح نظرة، وقد رنت إلي بعينين حلوتين، فاقتحمت علي قلبي، واتخذت منه مكانا لم يحله أحد من قبل.
شهد الله أني ما زلت أذكرها إلى الآن بقامتها الرشيقة التي لا يشتكى منها قصر ولا طول، ومشيتها الرزينة، لا ريث ولا عجل، وقد آلمني أن تقوم بهذا العمل، وددت لو أحمل عنها تلك المطرة رغم أني مريض!!
أردت أن أسألها عن المسجد لأسمع صوتها الرقيق، ولكن أخاف أن يراني أحد فيتهمني بالبهتان.
مرت وتركتني فريسة لجمالها الرائع، وقد أتبعتها عيني حتى توارت بالحجاب، فهل يحق لي أن أقول: ردوها علي...؟ هنيئا لمن ستكون أم أولاده!! وسلاما عليها في الأولين والآخرين!
ثم إني واصلت طريقي حتى وصلت إلى مسجد يدعى مسجد "تاما" لأنه على قمة هضبة. وإمامه شاب نحيف متزوج، وهو من "تالعينت" الشهيرة بقبيلة نكنافة، فمكثت عنده حتى صلينا العصر، أتاني بطعام وشاي فشربته، أما الطعام فلم أمسسه لأني زاهد فيه.
ولم يرد أن أبيت عنده فقال لي:
ـ ليس هنا إلا بيت واحد مليء بمواعين المسجد، والدار كما ترى فيها عائلتي، ومع ذلك لا تتوفر إلا على غرفة ومطبخ، ومن ثَمَّ أرى أن تذهب إلى ذلك الجامع.
 وهو جامع يقع في الجهة المقابلة لمسجده، فسألته عن إمامه فقال:
ـ هو إمام طيب كريم، وهو من "إداوتنان" ثم أضاف: كان يشارط في ذلك الجامع قبل هذا الإمام فقيه من قبيلتكم "إمكراد" يدعى سي لحْسْن، وكان يزاول الشعوذة (تكتب) وكان رجلا ضخما، ألا تعرفه؟
ـ ربما أعرفه.
ـ وهؤلاء الناس مفتونون به، فإذا ذكروه أثنوا عليه، وقد استغل جهلهم فأكل أموالهم بالباطل، وكم ظفر بالخرفان والتيوس والعسل وما أشبه ذلك! وهذا الإمام الحالي متشبث بالسنة، فكان يعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ولكنهم يسخرون منه، ويقولون: "سيدنا لحسن لا نظير له!!".
وبعد ما صلينا العصر ودعته ناويا الذهاب إلى ذلك الجامع، ولكن رجلا سمعني حين سألت الفقيه عن الطريق المؤدي إلى زاوية "سيدي إبراهيم أوعلي" وقلت له: سأذهب إليها غدا ـ فقال لي أعني الرجل:
ـ إذا كنت تنوي الذهاب إلى الزاوية فمن الأحسن أن تبيت في جامع ذلك الدوار الذي هو في طريقك.
استحسنت فكرته فسألته عن طريق الدوار الذي اقترحه فأرشدني إليه مشكورا.
وهكذا غادرت مسجد "تاما" إلى "إغرغرن" فوصلت إليه أي المسجد قبل غروب الشمس لأن الطريق إليه قريب جدا.
يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019