ولما
وصلت "أقصري" انتبذت شجرة فجلست تحتها حيران، وأخيرا قررت الشخوص إلى
إيموزار.
وبعد
قليل مرت بي سيارة، أريد أن أطلب من سائقها أن يصاحبني إلى إيموزار، ثم لم أفعل
ليقيني أنه سيرفض، غير أنه ما لبث أن وقف غير بعيد، فرجع القهقرى حتى وصل قبالتي،
فناداني شخص من داخل السيارة باسمي، تبينته فإذا هو ابن عم لأبي يدعى عبد اللطيف،
فذهبت إليه، وبعد التحية والسلام ومألوف الكلام في مثل هذه الحال، سألني: إلى أين؟
فقلت: إلى إيموزار، فقال: اركب معنا! فركبت شاكرا له.
وهكذا
قضيت معه ومع صاحبين له، أحدهما يسمى: لحسن أبعمران، والآخر يقال له: أحمد
الهشتوكي ـ قضيت معهم يوما طيبا لدى شلالات إيموزار.
وكان هذان الرجلان فكهين، ذوي ملح ونوادر،
يضحكان الثكلى، وتناولنا غداء دسما، له ما بعده أو لتلك المياه التي شربت منها.
لقد
آنسوني في تلك الغربة إلى حد أنه صعب علي فراقهم بعد صلاة العصر، فشايعت سيارتهم بناظريَّ
حتى توارت عني، فبقيت جامدا حيث تركوني ولم أغادره إلا بعد حين.
ثم
توجهت إلى دوار يدعى "تماروت" فوجدت الإمام نائما، والشمس قد رنقت
للغروب، فأيقظته، وبعد مألوف الكلام سألته عن بغيتي فكان جوابه غير مُرْضٍ، ثم قلت
له:
ـ
بما أن الشمس ستتوارى بعد حين فإني أكون ضيفك هذه الليلة.
فقال:
ليس في البيت أغطية كما ترى، وهؤلاء الناس يقفلون باب المسجد بعد صلاة العشاء،
وأنا لا أبيت هنا، بل أذهب إلى داري، وهم لا يأتونني ب"النوبة" وإنما
ينقدون لي ثمنها.
ففهمت
من كلامه أنه لا يريد أن يضيفني، لذلك سألته عن الطريق المؤدي إلى دوار قريب منه، يدعى:
"تِدِيلِي" فقال:
ـ
لا تظن أنني أرفض مبيتك هنا، فإن أردت أن تبيت فإني سأقوم بحقك ما استطعت!
فشكرت
له، وأنا متيقن أنه كاذب، وسألته مرة أخرى أن يدلني على الطريق ففعل.
ها
أنا ذا أدخل مسجد "تديلي" فأطل على "المقصورة" وهي إلى يمين
الداخل، ثم ارتقيت درجا قادني إلى مرحاض، وبيت الفقيه، ولكني لم أجده فيه، ثم نزلت
فدخلت مجلسا مقابلا للمقصورة، فوجدت عدة صينيات مليئة بالأقداح، والجدران قد علقت
عليها سبح كثيرة، فعلمت أن المجلس تقام فيه "الوظيفة" (الأذكار التجانية)
وهذه العادة يعتنقها كثير من التنانيين، فهؤلاء يسمون تجانيين، وأولئك درقاويين،
أو ناصريين، ولا يكاد يخلو منهم دوار، كما وجدت فيه سطلا مليئا بالماء، فاغترفت
منه ما توضأت به.
ثم
إني خرجت فوجدت في الفناء شيخا أعور وشابا فسألتهما عن الفقيه فقالا:
ـ
ذهب إلى داره، فقلت:
ـ
أين توجد داره؟ فقالا:
ـ
في "تزندوت".
فقلت:
مكان سحيق!
ثم
دخلت المقصورة، ونفسي تقول لي تهكما: "ليلة سعيدة!!" فأجبت: وهل خلا
الدوار من الكرماء؟
وبعد
ما رفع أذان المغرب دخل المصلون، ونويت أن أكون إمامهم، وانتظرت أن يقدموني،
ولكنهم لم يلتفتوا إلي، بل أقيمت الصلاة حين دخل المؤذن، فصلى بهم وهو قائم بينهم.
قرأ
في الركعة الأولى سورة القدر، وقرأ: "تنزل الملائكةِ" بالكسر! وفي
الركعة الثانية سورة الإخلاص، وقرأ: كفوّاً أحد كما تقرأ العجائز، وإن كان ذلك
صحيحا.
ولما
انفلتوا من صلاتهم خرجوا غير حافلين بوجودي، فبقيت وحيدا كاسف البال! أتفحص "موكيطا"
أنوي الالتحاف به في هذه الليلة السعيدة!
ثم
إني عقدت العزم على أن أقدم نفسي إماما لهم في صلاة العشاء لأشعرهم بوجودي، فإن لم
يغن ذلك فسأطلب إلى أحدهم أن يضيفني.
ولكن
ها وقت العشاء قد أزف، ولم يأت أحد، فذكرت سوء حظي، ولعنت هذه الدنيا آثما قلبي،
وشكوت إلى ربي قساوة القدر في معاملتي، وأنا ضعيف عاجز!
وما
عتمت أن رأيت شيخا يدخل المسجد ويسلم، فجلس قليلا ثم خرج ليؤذن.
وبعد
الأذان انتظرنا كثيرا، ولكن لم نحس من القوم أحدا ولم نسمع لهم ركزا، فقال: هيا
نصلي! فقلت: ألا يأتي القوم؟ فقال:
ـ
هؤلاء لا يصلون هنا إلا العصر والمغرب، أما العشاء فقد كان التلفاز يلهيهم عنها
وكذلك الكسل، وأما الصبح فقد كان النوم اللذيذ يغري سوائمه بالمُقَل، كما يشغلهم
العمل عن الظهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ثم
أقام الصلاة فصلينا، وبعد الوتر التفت إلي قائلا:
ـ
هل تعرف أحدا هنا؟
ـ
لا!
ـ
من أنت؟
ـ
غريب الأهل والدار!
ـ
من أين أتيت؟
ـ
من إقليم الصويرة!
ـ
ما غرضك؟
ـ
أبحث عن المشارطة!
سكت
قليلا ثم قال:
ـ
تعلم أن الأمن في زمننا هذا عديم، ولكني مع ذلك لا أريد أن أتركك وحيدا بدون عشاء
ولا أغطية وسأصحبك إلى داري!
فشكرت
له ثم صحبني إلى منزله.
وكان
شيخا نحيفا أبيض، خفيف الحركة، نشيطا غيورا، فقد قال لي في الطريق:
ـ
الخير لا يعرفه إلا ذووه، فمن لم يسافر ويتجول، ويتعرض للمخاطر والجوع والعطش فلا
يرثي لحالك، ولا يعرف ما ذا يخالج قلبك من إحساسات، ويعتمل فيه من آلام، أما أنا
فقد عركت الدهر وعركني، وذقت المر والحلو، وبالجملة من لم يسافر ويتغرب فلا خير
فيه، إلا المرأة، لا خير فيه إذا كانت تسافر وتتغرب!!
وكانت
داره تقع على تلة، قال:
بنيتها
هنا لأتحاشى عيون المارين، فلو بنيتها في الأسفل لكان كل من وقف على هذه التلة أو
مرَّ يطلع علينا ويلتهمنا بنظراته، أليس
كذلك؟
ـ
إي وربنا إنه لحق!
وكان
يعمل فيما مضى في معمل التبغ بأكادير، وهو الآن متقاعد.
والغريب
أنه لم يسألني عن اسمي ولم أسأله أنا أيضا فكان يدعوني: "فقيه" وأدعوه
أنا: "حاج"!
أدخلني
بيتا نظيفا مفروشا بزربية، وفيما يلي الجدران اصطفت كَنبَات وثيرة، وعلى الجدران
صور لأبنائه، ولوحات فيها آيات بينات، وفي يمين الداخل دولاب يختزن فيه قصعات
العسل والسمن والزيت وطحين اللوز.
وليس
في المنزل إلا سيدة، أما أبناؤه فقد كانوا يعملون في أكادير كما أخبرني، فاضطر
للخروج والدخول لإحضار ما يحتاج.
وإذ
صحبني إلى المنزل على حين غفلة من أهله فقد اضطر إلى إعداد العشاء، مما أبطأه حتى
العاشرة والنصف.
وبعد
العشاء هيأ لي مخدة وغطاء، ولما رآني وقد خلعت ثيابي لألبس منامتي قال: "اللهم
اجعلنا من الآمنين!" فعلمت أنه يخاف مني، وكان هو أيضا يستعد للنوم في تلك
الغرفة. وهذا يدلني أن امرأته ماتت.
وهكذا استقبلنا مضجعينا، ولم يلبث النوم أن هجم علينا
فاستولى علينا.
وفي الواحدة والنصف أو الثانية لا
أذكر، رن المنبه رنينا منكرا، وكان على مقربة مني فأيقظني مذعورا، وطار النوم من
عيني، ولم يعد إلا بعد لأي، على أني لم أنم إلا قليلا، فاستيقظت مرة أخرى، وقد
رأيت أحلاما مزعجة.
أحسست بألم شديد في بطني، فصرت
أعصره، ولكنه لا يزدد إلا شدة، حتى عيل صبري، وشعرت بالقيء يغالبني، فخفت تلويث
الزربية، فأيقظت الشيخ، وهو يغط في نومه اللذيذ، فاستأذنته في الخروج، فخرجت وقد
أخذت منه البطارية الكهربائية، ولم يلبث أن اقتفى أثري خوفا علي من كلبه الشرير،
قال لي:
ـ لحسن حظك لم تجده حين خرجت، فوقاك
الله شره! أما إنه يستحيل على شخص أن يحوم حول الدار بالليل!
فحمدت الله تعالى على لطفه به،
تصور لو أني وجدت هذا الكلب على عتبة الباب! ألا أقع في مصيبة كبيرة؟
ويبدو أن الشيخ رآني وأنا أقوم
بحركات رياضية للتخفيف من ألمي المرير، أو سمعني وأنا أتقيأ إذ وضعت أصبعي في أقصى
حلقي، ذلك أنه سألني حين عدنا إلى البيت:
ـ هل أنت مريض؟ فأجبت كاذبا:
ـ لا، وحفظك الله!
وعدت إلى مرقدي متألما جدا، ولم
يزايلني الألم إلا بعد وقت طويل، أصبت على إثره بصداع شديد لزمني طوال اليوم
الآتي، أما النوم فلم يعد، وهكذا قضيت ليلة سوداء ساهر الطرف متألما.
وفي الساعة الرابعة نهض الشيخ برفق
لئلا يزعجني ظنا منه أني نائم، وأشعل شمعة، وسخن ماء، فتوضأ، ثم صلى ركعات، فعمد
إلى سبحته، وأخذ يذكر الله، يسبح ويهلل. وأنا أجتر آلامي حتى أطل علينا الفجر، ولم
يبق له إلا ربع ساعة، فأيقظني فتوضأت، وفرش لي سجادة فصليت ست ركعات بكسل وفتور،
لا أظن أنها ارتفعت إلى السطح!! ولا عجب فلم أصلها إلا رغبة في مجاملة الشيخ!
والصلاة في جوف الليل تثقل على من
أخذ قسطه من الراحة والنوم، فكيف بمن مرض وسهر جزء كبيرا من الليل؟!
يتبع
