-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

4 ـ البحث عن حرفة الزمنى









وهكذا غادرت مسجد "تاما" إلى "إغرغرن" فوصلت إليه أي المسجد قبل غروب الشمس لأن الطريق إليه قريب جدا.
دخلت "المقصورة" وهي واسعة جدا، نظيفة، مفروشة بالحصائر البلاستيكية والموكيط، وكثير من مساجد إداوتنان على هذا الشكل، وذلك دليل على عنايتهم بمساجدهم.
يممت زاوية ووضعت بُقْجَتِي (ساكوش) فيها، ثم استلقيت فنمت حتى رفع أذان المغرب.
ولهذا الدوار مساجد ثلاثة يشغلها إمام واحد، لهذا لم أجده في هذا المسجد، وكان يقيم تلك الأيام في مسجد آخر، ولكن من حسن حظي أنه عرج على المسجد الذي يممت، وهو عائد إلى داره.
وبما أني مريض فلا أريد أن أتوضأ، فاكتفيت بالتيمم، ولكن حين أتيمم رآني الإمام لا أحسنه أو هكذا يتوهم؟ فقال لي، والمصلون ينظرون إلي:
ـ أستسمحك، ما هكذا ينبغي أن تفعل!
ثم علمني كيف أتيمم!!
لا أكتم أنني أحسست بالخجل والضعة، أليس قبيحا برجل يبحث عن المشارطة أن يجهل كيفية التيمم؟!
وبعد ما صلينا استدعاني إلى داره، وهو شاب نحيف، ليس بالقصير ولا بالطويل، طيب كريم، أب لبنية صغيرة، من متخرجي مدرسة "أَلْمَا" وهو من "تَزَنْدُوتْ" وقد اعتذر لي عن نصحه لي أمام العوام قائلا:
ـ أعرف أن هذا خطأ، ولكني لا أريد أن أراك تصلي بهذا التيمم.
ـ أعترف لك أني قضيت عشر سنوات في الدراسة، ولم أقرأ ولو كتيبا في الفقه، ذلك أن ميولي تتجه نحو الأدب، فأنفقت عليه كل هذه السنوات!!
وقد أكرمني واحتفى بي احتفاء كبيرا، فله الشكر الجزيل.
ولما تناولنا الفطور ودعته، لأني لم أجد مبتغاي حوله، فاتجهت نحو زاوية "سيدي إبراهيم أوعلي".
وهكذا اتبعت طريقي في جبل عَاتٍ، وبعد ساعة ونصف الساعة ضللت الطريق، فلم أدر أي طريق أسلك: آلطريق المتجه نحو القبلة أم الطريق المنعطف نحو الغرب؟ وبينما أقدم رجلا وأؤخر أخرى إذ سمعت وقع حوافر ورائي، فالتفتت فرأيت رجلا يقود بغلة، فانتظرت حتى اقترب مني وسلم علي، فرددت بأحسن منها، وسألته عن الطريق المؤدي إلى الزاوية، فأشار إلى المتجه نحو القبلة وقال:
ـ من أنت؟ ومن أتيت؟ وما غرضك؟
فأجبته وسألته أنا أيضا، فعرفت أنه شريف من شرفاء الزاوية، فاستبشرت به، لأنه سيكون رفيقي في الطريق كما أنه سيحمل الحقيبة الثقيلة، وقد بات تلك الليلة في "إغرغرن" أو "توكرو" لا أتذكر ما قال لي.
وهكذا قطعت الطريق مع رفيق أول وآخر مرة في هذه الرحلة الطويلة إذا استثنيت طريقي من "أقصري" إلى "إيموزار".
وأخذ يسألني عن الفلاحة عندنا، وعن الأسعار، وعن منتوجات منطقتنا إلخ إلخ وقد أخبرته أنني من شرفاء الزاوية التغانميين، وسألني كيف غادر أجدادي الزاوية، ومتى استوطنوا تلك المنطقة الحاحية؟ فقلت له:
ـ هذا ما أجهله جملة وتفصيلا.
حاشية: وقد حصلت فيما بعد على سبب مغادرتهم وخبر استيطانهم تلك المنطقة، وذكرت ذلك في كتابي: "الصدق والصراحة في نقد المتعة والراحة" ص: 70 فما بعدها.
ثم تطرق الحديث إلى هذه الحملة التي تقيم البوادي ولا تقعدها بتعبيره، أعني ما يتعلق بالبطاقة الوطنية.
وبعد ساعة ونصف الساعة أشرفنا على الزاوية من على قمة، فقال رفيقي:
ـ هذه المنارة التي تراها هي صومعة مدرسة الزاوية، وسنصل إليها بعد ساعة إذا سلكنا الطريق الكبير، أما هذا الطريق: طريق الراجلين فمن سلكه سيصل في أقل من ساعة.
وإذ أردت أن أسلكه أخذت منه ساكوشي شاكرا له، ولكنه سبقني إلى الزاوية، ذلك أنني جلست تحت شجرة، وأخرجت مسرحية للأديب الكبير توفيق الحكيم، عنوانها: "الحمير" وطفقت أقرأها زمنا ليس بقليل.
ها أنا ذا أدخل المدرسة تعبان عرقان،، ولم أكد أجلس على حافة درج حتى رأيت الفقيه يخرج من المقصورة ذاهبا إلى المجلس لإلقاء درس في الفقه، فاتجهت إليه مسلما، وبعد السلام والترحاب ومألوف الكلام سألني:
ـ هل أنت قريشي عبد الرحمن؟
فقلت في نفسي: (بشحمه ولحمه وعظمه وسحنته وأُدْمَتِه وشقائه!) نعم.
ـ كدت أنساك!
وهذا الفقيه يدعى: الحسين الرحيلي، عرفته إبان الطلب في مدرسة إداومنو العتيقة.
مكثت في ضيافته أربعة أيام.
ولما سألته عما كنت أبحث عنه قال:
ـ تأخرت قليلا، فمنذ أيام قليلة ماضية كان مسجد قريب من هنا شاغرا بدوار يدعى: "تانيت" ويبدو أنك سيء الحظ.
ـ أفي الله شك؟
وفي اليوم الثاني وهو يوم الأربعاء زاره أي الفقيه طالب مشارط في "إمعيزن" وقال لي حين عرف أنني أبحث عن المشارطة:
ـ تأخرت قليلا، فقد كان مسجد قريب مني شاغرا منذ أيام قليلة، وهو مسجد في المستوى المطلوب، فقد كانوا يشارطون بتسعين ألف ريال، والنوبة ينقدون ثمنها خمسمائة ريال، ومنهم من ينقد ستمائة ريال، ويعطون علاوة على ذلك ما تيسر من اللوز والزيت والعسل.
وهكذا ترى أنني غير محظوظ. ترى لو جئت قبل هذه الأيام ألا تكون هناك عوائق تحول بيني وبين الفوز بذلك الشرط؟ أما أنا فعلى يقين أن تلك العوائق منتثرة ومزهرة تنتظرني.
وكان هذا الطالب فكها، ذا نوادر وملح، قضينا معه وقتا طيبا، ثم جاء صاحب له في اليوم الثالث، لا يقل عنه ظرفا وفكاهة، فأتحفنا بنوادر وملح طيبة، وقد تجول كثيرا فكان يحدثنا عن القبائل وأهلها وعاداتهم وأخلاقهم ومشارطتهم ومساجدهم، ومن هم الطيبون ومن هم دون ذلك.
وكل القبائل الأمازيغية زارها فعرف الجيد الطيب منها والرديء الخبيث.
وعدد التلاميذ في هذه الزاوية يربو على الخمسين، وجدتهم يستعدون للذهاب إلى موسم مدرسة "تاعلاط" وهذه أول مرة ترسل هذه الزاوية طلبتها إلى ذلك الموسم السنوي.
والتغانميون فخورون بذلك جدا، وقد أثنوا على فقيههم لأنه قام في مدرستهم بما لم يقم به أحد من قبل.
سمعت أحدهم يقول:
ـ سنضع لافتة مكتوبا عليها اسم المدرسة على متن الشاحنة التي ستقل الطلبة، وسنمر في الدشيرة وإنزكان وأيت ملول إشهارا لمدرستنا.
وسمعته أيضا يقول، وهو عائد من مدرسة تاعلاط بعد ما حجز مكانا لطلبتهم ـ يقول:
ـ حضرت اجتماعا عقده علماء سوس في تاعلاط أعلنوا فيه أن مدرسة سيدي إبراهيم أوعلي هي أول مدرسة عتيقة وضعت في سوس.
ثم غادرت هذه الزاوية صباح يوم السبت الخامس عشر من شهر مارس عام سبعة وتسعين، بعد ما أقمت فيها أربعة أيام أقل ما يقال عنها أنها أسعد أيام رحلتي هذه، والدليل على ذلك مكثي في تلك الزاوية طويلا، وقد كان من دأبي ألا أطيل الزيارة، كيف لا تكون أسعدها، وقد اكرمني إمامها غاية الإكرام، واحتفى بي احتفاء كبيرا، وبسط لي من طيب أخلاقه ورقة شمائله ما آنسني رغم طبيعتي الوحشية النفور، وليس هذا بقليل.
وقد كان هذا الفقيه طيبا سمحا بشوشا، ذا أخلاق فاضلة ومعاملة حسنة، وما ذكرت من شمائله شرَّق وغرّب، فلم يذكره أحد إلا أثنى عليه وعلى سيرته الزكية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس هذا مبالغة أو مجاملة، شهد الله أني لا أحسنهما ولو اضطررت إليهما، وغيري يقر بهذا وأكثر منه.
غادرت تلك الزاوية متجها نحو: "إكبار" بإداوزكي حيث يشارط صاحب لنا، والطريق إليه أطول من شهر الصوم، فهو يرتفع في تلك الجبال حينا، وتارة ينحدر، كما أنه يمتد طورا، ويلتوي كرات أخرى، فصرت أطويه بصبر وجلد وعلى ظهري حملي الثقيل. وصلت إلى سوق يدعى "أسكا"....
يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019