-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

1 ـ البحث عن حرفة الزمنى






وبين دفاتر يعود تاريخ كتابة ما فيها إلى دراستي في المدرسة العتيقة في أواخر الثمانينات والمدرسة الأصيلة في بداية التسعينات عثرت على دفتر قيدت فيه رحلة بحث عن الشرط قبل اثنين وعشرين عاما كتبتها وأرسلت ملخصها لصديق لي زرته في تلك الرحلة، وقد رأيت أن أنشرها في هذه المدونة مجزأة، واخترت لها هذا العنوان المعبر عما في ضميري من كراهية وسخط على هذه المهنة التي ما جنيت منها إلا ألما وشقاء وفقرا ومرضا نفسيا إذ فرضت علي فرضا زمنا غير قصير، وقد والله أتى علي حين من الدهر ما رأيت صومعة مسجد إلا أخذتني رعدة وقشعريرة ورغبة في البكاء!! ولو استقبلت من زمني ما استدبرت لحذفت تلك السنوات العجاف حذفا!!
1 ـ البحث عن حرفة الزمنى
"هذه صفحات دونت فيها رحلة قمت بها بحثا عن المشارطة في جبال إداوتنان، أمسكرود، إداوزكي، إلبنسرن، إداومحمود، إمنتاكن، إركيتن، أولاد برحيل ثم أولوز تدوينا ككتاب المجرمين، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها من غير تنقيح ولا تزويق.
في اليوم الثامن من شهر مارس سنة سبع وتسعين بعد ألف وتسعمائة، توجهت إلى "إداوتنان" منطلقا من "أورير" على متن "ترانزيت" في طريق وعر لولبي جبلي، بسرعة فائقة لا تتفق مع وعورة تلك السبيل. وكان السائق لا يخفف منها إلا حين يستقبل منعطفا مخافة أن يصادم سيارة أو شاحنة...على غرة. وما أكثر المنعطفات هناك!
وكان هذا السائق أسود طروبا، ذلك أنه يستمع إلى أغنية، فيهز رأسه طربا، وأصابعه لا تعرف راحة على المقود، والحق أن تلك الأغنية جميلة جدا، فقد أثارتني أنا أيضا وهزت مكامن قلبي.
وإذا انقضت بدَّأها، وهي تستأهل ذلك، فقد كانت مغرية وخلابة، لا يملك الإنسان معها لبه.
وعلى هذه النغمات اللذيذة والموسيقى المؤثرة قطعنا طريقنا في جبال شاهقة ذات أشجار مختلفة، ونباتات متباينة، وإذا كانت جبال "تزي نتاست" عارية إلا أقلها فهذه مكسوة بأشجار أركان والعرعر والخروب، ونباتات ذات أزهار صفراء وبيضاء عطرة تملأ الخياشيم بأريجها الفواح.
وأحيانا نعبر وديانا تجري فيها مياه ضحلة وآسنة.
وهكذا حتى وصلنا إلى قيادة تدعى: "أقصري" فنزلت ووجدت صبيا جالسا تحت شجرة، فسألته عن الدوار المدعو: "أوسير" فأرشدني إليه مشكورا، ثم توجهت إليه.
وحين دخلت المسجد رآني "الفقيه" من خَصَاص الباب، وهو يقرئ الأطفال، فخرج إلي، فسلمت عليه مصافحا، وبعد الأسئلة العادية قال: "أنت في حاجة إلى الشاي، أليس كذلك؟" فقلت باسما: "بلى!" فأتاني به مع طعام جيد، فصادف معدة خالية فاستحسنته.
ولما أتيت عليه توضأت.
وبعد صلاة العصر خرج الأطفال للاستراحة، فتحدث الفقيه معي حتى رجعوا، وفي أثناء حديثنا القصير سألته: هل يوجد مسجد شاغر حوله؟ فقال: "لا، ومن سوء حظك أنني لم أذهب يوم الخميس إلى السوق حيث أحصل على أخبار المساجد الشاغرة!".
فقلت: "أعوذ بالله من هذا الحظ الذي يلازمني ملازمة الظل، فقد قمت ببحث عن "الشرط" خلال الشهر العاشر من السنة الماضية في سهول "هوارة" وجبال "تزي نتاست" مرورا ب"إجوكاك" و"أسني" و"إمليل" ثم "تحناوت" وكان هذا الحظ التعيس يقودني ويسوقني. فرجعت منعكس الأمل، أترى هذا الحظ سبقني إلى هذه الجبال؟ على أني في تلك الرحلة أبحث عن شرط جيد، وقد أعثر على شرط حقير فأعرض عنه وأستنكف منه، أما الآن فلست أتخير، فلماذا يعاكسني؟".
ضحك وقال: "لا تقلق، فهذا يحدث لغيرك أيضا، والنفوس القوية لا تعرف اليأس كما يقال!".
ثم دخل يقرئ الأطفال حتى رفع أذان صلاة المغرب.
أما أنا فقد جلست في فِناء المسجد، أتأمل تلك الجبال، وأتصور عظمة خالقها، ولا أدري لماذا تثير الجبال والنجوم والبحر في قلبي تعظيم الله تعالى وإجلاله، ويقشعر جلدي من منظرها.
قلت: أتأمل تلك الجبال حينا وتارة أترنم بأبيات شعرية، وطورا أقرأ القرآن مقلدا عبد الباسط بصوت منخفض.
وفي أثناء ذلك يصلني ضجيج الأطفال وصخبهم، والفقيه ينهر هذا، ويضرب ذاك، ويصحح لهذا قراءته، ويحث ذاك على القراءة، فأتصور نفسي، وقد جلست بين أطفال، أقوم بما يقوم به هذا الفقيه، فأحسست بنفور وكراهية شديدة لهذه الحرفة البغيضة، فشكوت إلى ربي، ودعوته أن يرزقني من مصدر غير هذا، وطفقت أردد قول الشاعر:
أيا حرفة الزَّمْنَى ألَمَّ بك الردى**أما لي خلاص منك والشمل جامع
لئن قنعـت نفـسي بتعـليم صبية**يد الدهـر إني بالمذلة قانــع
وهل يرضين حر بتعليم صبية**وقد ظن أن الرزق في الأرض واسع؟
وبعد صلاة العشاء دعاني للعشاء في مجلس كبير، مع ولدين له ذكيين، كانا يدرسان في المدرسة العصرية، أكبرهما في الحادية عشر من عمره على ما يبدو، كان واسع العينين.
أخذ أبوهما يمتحنهما ويمرنهما فيقول مثلا: ما إعراب هذه الكلمة؟ وهل هذه اسم أو فعل؟ وهل توجد في القرآن جملة تقرأ طردا وعكسا؟ وفي القرآن ربع خال من حرف الشين، أين يوجد؟ وهكذا فيجيبان أجوبة تدل على ذكائهما.
وهنا شعرت أول مرة في حياتي بالرغبة في الزواج لعلي ألد ولدا نجيبا مثل هذين، أذاكره وأحاوره وأعلمه، فقد والله تمنيت لو أن هذين الولدين ابنيَّ، لتقر بهما عيني.
وفي الصباح بعد الفطور ودعته بعد ما سألته عن الطريق المؤدي إلى زاوية "سيدي إبراهيم أو علي تغانمين" فقال: ستتجه إلى جهة القبلة في طريق يقطعه الر اجل في أربع ساعات.
ولكن الطريق جبلي، من الصعب على ركبتي الخائرتين أن تجوباه، فتحيرت في أمري: أأذهب إلى تلك الزاوية أم إلى إيموزار؟
ولما وصلت "أقصري" انتبذت شجرة فجلست تحتها حيران، وأخيرا قررت الشخوص إلى إيموزار.
يتبع

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019