برغواطيون جدد
كتبت في أكتوبر 2003
ثم
أردت أن أغير مجرى الحديث، فسألت الأستاذ عن ديوانه: "أغاني العروبة"
الذي يعتزم نشره فقال:
ــ
سأفعل قريبا.
فقال
المعلم بجد:
ــ
تذكر أنك بالمغرب بلد الأمية والجهل! فلا تطبع منه إلا مائة نسخة، واجعل ثمنه
رمزيا، لعل أصدقاءك الكرام يشفقون عليك فيشتروه!
ثم
وهو يضحك بخبث:
ــ
وأرجو أن تعفيني منه!
ووجدتني
أقول له:
ــ
بلد عدد سكانه ملايين من العرب ينشر فيه ديوان بذلك العنوان الجميل يتحتم أن تطبع منه على الأقل آلاف النسخ!! فقال بثقة ويقين:
ــ
لو نظمه في فن الطبخ لوجب!
ثم
خاطب الأستاذ وملامحه يشوبها جد لا هزل فيه:
ــ
إن كنت تحب العمل المثمر فاعمل في مقهى أو افتح ماخورا أو كن مهربا مغامرا!! ولا
تكذب على نفسك بالأغاني في وسط كل ما فيه يغري بالعويل والبكاء!
قلت
له ببراءة:
ــ
لا ريب أنك تبالغ كثيرا، لم يبلغ المغاربة هذا الدرك من الأمية الثقافية!
رمقني
باستنكار فقال:
ــ
انعزلت في هذه الهضاب فخلت أن دنيا الأدب والعلم مزدهرة!
ابتسم
الأستاذ فارتسمت على وجهه غمازة طالما حببته إلي. جردته في مخيلتي من شواربه
السميكة وعدت به إلى عهد الدراسة، فغمرتني ذكريات متلاطمة، غصت في أمواجها، كلما
ردتني موجة إلى الشاطئ ارتميت في حضن الأخرى، تذكرت إذ قرأنا كتاب: "أضواء على المغرب" فعرفنا ما جعل عليا يسأل
باستنكار:
ــ
أليست الدروس المقررة علينا مضللة؟
فقال
محمد مبتسما:
ــ
أتريد أن تتخرج عالما مصلحا؟ يكفي أن تصبح مسيخا نصف متعلم، تؤدي رسالة معوجة!
هز
حسن رأسه وقال بأسى:
ــ
حقا مناهجنا بل حياتنا كلها في أمس الحاجة إلى تغيير جذري!
فواجهه
محمد بحدة:
ــ
لم لا تفكر في غير الأحلام والأماني الكواذب؟
فقلت
باسما:
ــ
دعه فقد تحقق الأحلام يوما!
ولما
قرأنا عبارة أحد الفائزين في الانتخابات التشريعية كما أوردها المؤلف: "أعتبر
هذه الانتخابات تجربة ديمقراطية" قال حسن بعنف، كأنه منهزم زورا في
الانتخابات، فأراد أن ينتقم، قال:
ــ
هذه مهزلة وأُلْهِيَّةٌ ستتكرر كثيرا!! إن الوطن في حاجة إلى طوفان يطهره من
الفساد المستشري في أوصاله المتعفنة، أما المهازل فقد غرق فيها منذ قرون!
فقال
محمد ضاحكا:
ــ
إذا امتد بك الزمن فستضحي من أكابر مجرمي هذا البلد، كثيرا ما تكون الغيرة على
المقدسات والحماس لمحاربة الفساد طريقا إلى تكريسه!!
تبادلنا
نظرات ضاحكة، ثم واصل القارئ: "إن المغرب من البلدان المتخلفة يتقدم كالسُّلَحْفَاة
في الميادين الحيوية، ويسابق الريح في الانفجار الديمغرافي، فقد بلغ عدد سكانه
أزيد من سبعة وعشرين مليون فرد، ونسبة الأمية فيه 70 بالمائة كما في العالم العربي
الذي ضلت الديمقراطية الطريق إليه...."
صفر
محمد صفيرا حادا وقال:
ــ
سبعة وعشرون مليون فم في بلد شبه فقير، صغير نسبيا! إذا كنت تصب فيها كمية قليلة
من رمال الصحراء الغربية ومن مياه المحيط الأطلسي فسيستنفدونهما في ظرف وجيز!
ويبدو أن لا عيش لنا في هذا البلد بعد سنوات معدودة!
فقال
حسن بهدوء:
ــ
إن الوطن بلد الخيرات والبركات وثروات جمة! قال خبراء غربيون: "إذا استغلت
هذه الثروات المتنوعة استغلالا حسنا ووزع المردود توزيعا عادلا فإن المغرب يستطيع
أن يوفر بحبوحة العيش لمائة مليون نسمة!!".
ضحك
محمد وقال:
ــ
أما فنيون مغاربة فماذا فعلوا؟ أحذرك مرة أخرى من الاسترسال مع الأوهام
والافتراضات!
أما
علي فقد علق على الأمية:
ــ
90 في المائة من هؤلاء الثلاثين أميون ثقافيا!
فقلت
متسائلا:
ــ
وعلى هذا إذا كان الجهل مصدر كل شر وفساد، وإذا كان كل شخص يقوم بما يحسنه فإن
ثلثي ساكنة الوطن لا فائدة أو لا لزوم لوجودهم؟
صدقني
في توكيد حاسم:
ــ
أجل، هم يعمقون أزمتنا الاقتصادية وحسب!
ابتسم
محمد ثم ألقى سؤالا على حسن مبطنا باللمز والسَّخَر:
ــ
ترى كم يبلغ عددهم لو طبق مبدأ التعدد كما يريد الشهوانيون؟!
لم
يجبه، عاد علي فقال جادا أو هازلا:
ــ
تلك لعنة الطب في البلدان المتخلفة!
صمت
قليلا ثم عمد إلى إيضاح لعنته فقال:
ــ
كان يجب أن تسير فيها أمور الصحة بموازاة التخلف والفقر، فتنتشر الأدواء وتكثر
الوفيات، وبذلك تعالج الطبيعة نفسها وتحافظ على توازنها الفذ، ولكن الطب الحديث
تدخل في شؤونها فأفسدها!
استعلمته
ضاحكا:
ــ
أي أن الأطباء في هذه البلدان مجرمون مفسدون تجب ملاحقتهم ومعاقبتهم؟
ــ
أفي ذلك شك؟ كان يجب أولا أن تبنى المصانع والمعامل والمؤسسات.... ثم المستشفيات،
وإلا فما حاجتنا إلى الصحة الفولاذية، والبطالة المكتسحة والجهل الغليظ يحيطان بنا
من جميع الجهات؟
قال
محمد وهو يغمز بعينه حسنا:
ــ
أحسن منهم عملا أولئك الإرهابيون الذي يمارسون القتل بالجملة!!
ــ
نعم، ولا يشينهم عندي إلا مزاولتهم ذلك العمل الجليل باسم الدين، ولو أنهم فعلوه
باسم تحرير الاقتصاد أو التصدي للانفجار السكاني لكنت قائدا لهم!!
******
وفي
الأصيل، ونحن نتحسى الشاي، وكان الجو معتدلا، اقترح علي الأستاذ أن نمضي وقتا في
المكتبة التي كونتها بجد وعزم، بيد أن المعلم رفض قائلا:
ــ
نزهة في الخارج وهذا الطقس الجميل يداعبنا أجدى وأنفع!!
فقال
الأستاذ يلمزه:
ــ
فيها جناح خاص بالكتب الأمازيغية خاصة كتب الفلسفة والأدب!
ضحك
وقال:
ــ
اسخر منا ما شاء لك السَّخَر! ولكن إذا عمرت فستقضي أواخر حياتك مدحورا في الحجاز
موطن آبائك الأقدمين!
ــ
حلم مستحيل!
ــ
بل حق مشروع!
فقال
الإمام:
بل
مشروع مدبر! ولكنها صرخة في الوادي!
التفت
إليه كليا وقال:
ــ
أعتبر العالم العربي مزرعة من مزارع الامبراطور بوش، بأمر هازل منه تنقل الحيوانات
من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب!!
ــ
أهذا ما غركم فراهنتم.....
قاطعته
وأنا أقودهم إلى المكتبة:
ــ
دعونا من الجدل البيزنطي!
دخلناها
فخطفت الكتب المرصوصة على الرفوف أنظار الأصدقاء المتشاكسين، ثم مدوا أيديهم
إليها، وعلى المكتب الذي يتصدر المكتبة جريدة شهيرة بتطرفها العلماني وتهجمها على رموز
الأمة الإسلامية. وفي صدر صفحتها الأولى عنوان عريض فيه شتيمة لعالم جليل من علماء
الحديث، وبجانبه صورة الكاتب الملونة: سترة رمادية، قميص أبيض، ربطة عنق فاخرة،
حليق الوجه، أصلع، وعلى عينيه نظارتان أضفتا عليه هيئة كبار المفكرين، خاصة أنه
وضع سبابته ووسطاه على صدغه، وخنصره وبنصره على ذقنه، والإبهام تحت الذقن.
وسرعان
ما جذب العنوان المثير والصورة المهيبة نظر الإمام فقرأه وتصفح الصورة ثم قال
باحتقار:
ــاللعنة.....؟
ظاهره غربي شريف وباطنه عربي حقير!!
ثم
قرأ الموضوع السفيه، ولما فرغ منه ضرب المكتب بجمع كفه، وقال بعصبية:
ــ
كانت الصحافة في الدول المتقدمة أداة مراقبة ومحاسبة للحكومات وآلة إرشاد وتوجيه
للشعوب، أما عندنا فقد أضحت في أيدي الصعاليك آلة هدم وتهجم وتدنيس لثوابتنا
ومقدساتنا ولغتنا!!
قلت
باسما:
ــ
صلعته توحي أنه يفني أيامه في التفكير والتأمل!!
فرد
ووجهه ما زال مُرْبَدّاً:
ــ
ولكن فكره ولغته وأسلوبه تجزم أنها ناتجة عن الإفراط في الدهنيات والسكريات! انظر
إلى "غَبَبِ" اللعين! وكل صعلوك قعد به العجز والجهل عن الشهرة يتطاول
إليها بقذف أعلامنا!!
سأله
المعلم ساخرا:
ــ
هل نصبك أعلامك محاميا لهم؟
تدخل
الأستاذ فحرش بينهما:
ــ
يبدو أن ما أبقته الصحافة الماجنة ستجهز عليه الأمازيغية المتغرضة؟
بادر
المعلم فقال:
ــ
الإرهاب أخطر شيء يتهددنا جميعا!
ثم
قهقه وقال:
ــ
إنه كفيل بنسف الحجر والمدر والحيوان والنبات!!
واجهه
بحدة:
ــ
ذلك خير من الذوبان في أباطيل غيرنا والتنكر لمبادئنا والذهول عن الحقيقة التي
نمكلكها.
سكت
قليلا ثم واصل بغضب:
ــ
صحفيون أميون ماجنون، لا يرجعون إلى دين ولا خلق، ولا تحركهم ضمائر شريفة، يريدون
أن يحتجنوا مراكز القيادة والتوجيه في أمة تعد بالملايين، نسفهم أولى من الصلاة
التي هي جوهر الدين!!
قلت
له:
ــ
رفقا ولا تلقنا إلى التهلكة!
ثم
انصرفت إلى الأستاذ الذي تناول بخشوع ديوان المتنبي شاعر العروبة الحقيقي فقلت
مبتسما:
ــ
عقمت الأمة العربية بعد هذا فلم تلد إلا أمساخا!
ضحك
وقال:
ــ
لم يزل الشعر بعده ينحدر إلى أن وصل إلى هذه الأوساخ والمجون الذي ينشر باسم
الحداثة وما بعدها!
أما
المعلم فقد أخذ كتاب: "الاستقصا في تأريخ المغرب الأقصى" وقال:
ــ
من ينكر أن ليس في هذا الكتاب إلا هذه السجعة؟
ثم
أضاف ضاحكا:
ــ
إذا كان ما فيه استقصاء فكيف يكون الإخلال والتقصير؟ أحرى به أن يسمى: الناقص في
تأريخ...
ـ
أو: الكامل في تأريخ السلاطين!
ــ
ليته كان كاملا في هذه الناحية! وما هو إلا مدح للمجرمين والمفسدين!
التفت
إليه الصديقان بعيون مستطلعة فقال:
ــ
أصارحكم أن ما غاظني منه أولا هو ما ساقه من تخرصات وأباطيل في تأريخ أجدادي الأفاضل.
قلت:
ـــ هو كتاب تأريخ يسوق ما يتناقله الناس، وإذا وجد اختراص فالذنب ذنب أجدادك الذين لم
يضبطوا تأريخهم ولم يُنَقُّوه من الشوائب.
تحركت
في الأستاذ لذة الإغاظة فقال:
ــ
كل شعوب الأرض عرفت تأريخها وأصولها إلا أنتم، فاختلف المؤرخون في أمركم حتى زعم
شاعر أندلسي أن لستم من السلالة البشرية!
ضحكنا
جميعا ثم قلت إمعانا في إهاجته:
ــ
والقول الفصل أنهم بضعة آلاف من الهمج والرعاع تداول الفينيقيون والرومانيون
والبيزنطيون طويلا استعبادهم حتى جاء العرب فاستنقذوهم ثم أرسلوهم في الأرض أحرارا.
اعترض
الإمام مصححا:
ــ
... حتى بعث الله المسلمين، أما العرب المجردون فلا يقلون هوانا وعبودية للأجانب،
كن دقيقا في في حديثك.
انتفض
الأمازيغي وقال:
ــ
أهو دقيق في الشق الأول من حديثه؟
أجاب
الأستاذ فورا:
ــ
أقصى الدقة!!
ــ
اللعنة عليكم جميعا! كان الغزاة يزورون ويحرفون فروى أبناؤهم وأحفادهم أباطيلهم ثم
بعد قرون من الكراهية والحقد المتبادلين جاء مؤرخون متغرضون فيدونون وينسقون ما
يحلو لهم.
ــ
أتتهم المسلمين الفاتحين؟
ــ
بل أتهم العرب المستعمرين، أما الفاتحون فقد عبروا إلى الأندلس وواصلوا فتوحاتهم
حتى انكسروا في جنوب فرنسا فمات من مات وعاد إلى الحجاز من عاد.
رأيت
الإمام يريد أن يتكلم ثم عدل فواصل الموتور:
ــ
ثم جاء إدريس الأول تسوقه طبيعة العرب المتعطشة إلى التحكم في مصائر الناس
والقائلة: "حبذا الإمارة ولو على الحجارة"!!
ــ؟؟؟؟
ــ
ثم خلفه ابنه الإقطاعي الكبير....!!
نفد
صبر الإمام فقال بحدة:
ــ
لقد عبأكم الدهاة من وراء البحار للفتنة، وأوغروا صدوركم على التأريخ الإسلامي
فشرعتم في مسخه وتشويهه!!
ضحك
عاليا وقال:
ــ
كلا! لقد كفانا العرب شر ذلك، ألا ترى أن شمال إفريقيا كان يسمى الغرب الإسلامي، ثم
صار يدعى المغرب العربي، كأنهم ورثوه عن يعرب بن قحطان!! إن العرب ولوا وجوههم شطر
باريس عاصمة النور!! ولكنك ذاهل عن ذلك بالتطرف والإرهاب.
ــ
احفظ لسانك!
تجاهله
وتابع:
ــ
وكانت الأندلس إسلامية، فحولها العرب الأشاوس إلى جزيرة عربية يتناحرون فيها فلم
يجد سكانها الأصليون بدا من تطهيرها من رجسهم وكنسهم كنسا.
سأله
الإمام باهتمام:
ــ
أتوسوس لكم أنفسكم أن تحاولوا.....
أنشد
ساخرا وملفقا:
عدمنا خيلنا إن لم تروها *** تثير النقع موعدها....؟
هنالك يونس وبنو أبيه *** يقودون البرابر ظافرينا
وبلسان
واحد قال الإمام والأستاذ:
ــ
برغواطيون جدد!!
ترامى
إلينا صوت المؤذن: الله أكبر، الله أكبر...
فانتهضنا
للصلاة.
