برغواطيون جدد
كتبت في أكتوبر 2003
لقاء
أخوي سيحتضننا بعد تشتت طويل تخللته مراسلات متقطعة. في عهد الدراسة ألفت بيننا
صداقة نادرة رغم اختلاف رؤانا وتوجهاتنا. أنهينا دراستنا الثانوية، فتفرقت بنا
السبل. أما علي الجعفري فقد التحق بالكلية ثم تخرج أستاذا للغة العربية، ومحمد
العرجي اختصر الطريق ودخل مدرسة المعلمين، وأما حسن الحميدي فقد سئم الاختلاف إلى
قاعة الدروس فآثر المحراب.
وفي
ضحى يوم من أيام عطلة الربيع هاتفني الأستاذ وبشرني بأنهم في الطريق إلي، فوجدتني
محاطا بشريط من الذكريات أطلت منه وجوه عزيزة، ودارت مناقشات جادة لا تخلو من تعليقات
ساخرة وفكاهة وإحماض. تمليتها ثم عدت فسألت نفسي: "أهم باقون على العهد
فيردوا اللقاء منتدى أم تغيروا وامتصت الهموم اليومية حيويتهم وحماستهم فيكون لقاء
مجاملة وبرود؟".
******
رباه! ما هذه الوجوه؟ لشد ما نحتها الزمان طولا
وعرضا، فتبدلت السحن! ولكنه لم يطمس المعالم تماما. راعني منظر الإمام، تتدلى من
ذقنه مكنسة تقليدية! تقدمت لمعانقته فقال المعلم يقدمه:
ــ
هذا هو "الملا" عمر الذي تبحث عنه السي أي إي في "تورابورا"
بينما هو في هضاب "حاحة" يعد
العدة لغزوة جديدة!!
عانقته
فشاكتني لحيته، وكانت تضوع منه رائحة زكية، ولما انفصلنا انتحيت المعلم فقال
الإمام يعرفه:
ــ
شيوعي رث، لم يعد يساوي فلسا، وأمازيغي تافه!
جميل
المحيا، حليقه، ذو شعر حريري فاحم، خليق بفتاة في مقتبل العمر!
أما
الأستاذ ذو الشارب الكثيف فما مددت إليه يدي حتى بدأ ينشد:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما *** يظنان كل الظن أن
لا تلاقيا
فقال
المعلم يقدمه:
ــ
أستاذ نصب نفسه ديدبان اللغة العربية وأدبها والعروبة، فليس يقيم وزنا لغيرها!!
أعلن
الإمام بحسم:
ــ
العروبة كالشيوعية والأمازيغية، زيف في زيف، وخداع في خداع، تاجرت بها طغمة
مرتزقة، ثم افتضحوا فصاروا مثلا لكل زنيم!!
رحبت
بهم وأنا في غاية الانشراح والابتهاج.
********
انقضى
الحديث العادي ثم تابعنا نشرة الأخبار في فضائية شهيرة، فرأينا مجازر واعتداءات
شبه يومية، ثم سمعنا تنديدات زائفة، وتهديدات إنشائية، فالتفت الأمازيغي إلى
العروبي وقال:
ــ
يا عروبي أهذا أقصى ما تستطيعون؟ ثم أضاف: أمامكم عهد ستحرمون فيه أيضا هذا الحق
التافه!
تدخل
الإمام بقوة:
ــ
لن يضيع حق وراءه طالب!
ــ
ولكن فلسطين ضاعت أو كادت، فهي باطلة، أو ليس وراءها طالب!
ــ
نحن كلنا وراءها جنود مجندة!
ــ
هذا ما يبدئ فيه الأستاذ ويعيد في قصائده الطنانة حتى قذفنا أخيرا بقصيدة أطول من
محنة القدس، عنوانها: "لن انساك يا فلسطين"
فلو كتبها على الأرض، وبدأ من حيفا لوصل إلى المحيط الأطلسي قبل أن يختمها!!
ضحك
الأستاذ رغما عنه ولم يفه بكلمة، فتابع المعلم:
ــ
لو جمع ما كتب عن فلسطين من أطنان الأوراق ورجمت به إسرائيل لدمرت تدميرا! ولكنها
المهزلة التي لا نظير لها!
عاد
الإمام فقال:
ــ
سيأتي يوم يطارد فيه المسلمون اليهود....
فقاطعه
الشيوعي البالي ساخرا:
ــ
وفر هذا الكلام لخطب الجمعة المخدرة!!
ثم
تتالت الأخبار من كوارث طبيعية وجرائم إنسانية، فقال الإمام بأسف:
ــ
إن الإنسانية لملعونة، في مكنتها أن تجعل الأرض جنة ونعيما، ولكن لشقوتها أصارتها
جحيما!
ألقيت
نظرة إلى الأستاذ الساكت ـ وهو من عرب هوارة ـ فتذكرت حماسه واجتهاده في إتقان
اللغة العربية وتعصبه لها واحتقاره غيرها
من اللغات، سألته يوما:
ــ
لم لا تتعلم اللغة الفرنسية مثلا؟
أجاب:
ــ
أعتبر تعلمها خيانة للغتنا!
ــ
خيانة؟؟
ــ
أجل! أليس في تعلمها تشجيع لطغيانها ومزاحمة للغتنا في الصدارة؟!
ــ
ولكنها اللغة الرسمية وإن نص الدستور على لغتك العربية!
تذكرت
ذلك فأحببت أن أثيره فسألته:
ــ
هل من جديد في الساحة الثقافية والأدبية يا أستاذ؟
ابتسم
ابتسامة غامضة وقال:
ــ
هذه الساحة كساحة فلسطين، كل ما فيها مأساوي يبعث على الحسرة والتشاؤم! وجديدها
كجديد الموت يهدم ويدمي القلوب ثم يخلف الفراغ و الخواء، إننا منتحرون أدبيا!
ــ
هل انسحب النقاد وتركوا الساحة للأدعياء؟
ــ
أعتقد أن وراء ذلك أيادي خفية فانكمشت الجودة وطغت الرداءة!
ــ
لو صاولها النقد البناء...
قاطعني
بأسف:
ــ
إنها بحيث تستوجب المصادرة لا النقد!!
سكت
قليلا ثم قال:
ــ
إن للغتنا العربية وثقافتنا وتقاليدنا أعداء في الداخل والخارج يعملون لقبرها.
أحس
المعلم أنه المعني فتساءل:
ــ
لعلك تقصدني أن كنت من أنصار الأمازيغية؟
ثم
وهو يبتسم:
ــ
إن أعداء لغة العرب وثقافتهم الحقيقيين هم العرب أنفسهم!
تدخل
الإمام قائلا:
ــ
نعم، فقد انقلبوا على أنفسهم، حتى ملامحهم لم تعد عربية كأنهم نازحون من "سكاندينافيا"!!
ضحك
المعلم وقال:
ــ
ها أنت ذا تقترب مني وتشاطرني الفكر.
رد
الإمام وهو يمسح لحيته الكثة:
ــ
معاذ الله! بيني وبينك بعد الأنظمة العربية وشعوبها.
لفنا
صمت قليل ثم قلت:
ــ
لعله أقرب إلى الأستاذ في نصر العروبة التي هي جزء.....
فبادر
إلى القول:
ــ
لست مع هذا ولا ذاك، فهذا منحرف يمينا وهذا منحرف شمالا، كلاهما ضل الطريق
المستقيم فتناطحا!
ــ
أما ناصروا الأمازيغية فلا أشك أن من وراء البحر دهاة امتطوا أكتافهم ليعبروا بهم
إلى عمق الوطن ليضربوا ضربتهم وليقضوا وطرهم الخبيث، فهم مجرد وسائل وأدوات حقيرة
في أيدي الماكرين، وأما....
قاطعني
المعلم:
ــ
إنك تسيء إلى أبرياء.
هتف
الإمام:
ــ
أبرياء؟ أشهد أنهم مرتزقة! وإني لأعرف رئيس جمعية أمازيغية لا يتقن ولو لهجة واحدة
من هذه اللهجات المقيتة، وأبناؤه لا يتكلمون إلا الفرنسية والألمانية، ومع ذلك
ينصر الأمازيغية وثقافتها! أي عبث هذا؟!
نقل
عينيه بين وجوهنا ثم واصل:
ــ
على أني لا أومن أن في هذا الوطن أمازيغيا خالص النسب أو عربيا قحا، فقد اختلطت
الدماء والأنساب على مدى اثني عشر قرنا، ورب ناصر للأمازيغية وهو من أحفاد تأبط
شرا!!
قال
المعلم:
ــ
نحن ننظر الآن إلى الواقع، فكل من يتكلم لغة من هذه اللغات الثلاث فهو من أحفاد
أمازيغ رحمه الله!
فقال
الإمام بحرارة:
ــ
اللعنة عليه في قعر لحده وعلى كل المتاجرين بالفتن!!
لم
يسع المعلم إلا أن يأخذ بلحيته وقال ضاحكا:
ــ
رحم الله بوشا الابن فقد كان أعرف الناس بمصلحة هذه الأمة!!
أبعد
الإمام يده قائلا:
ــ
إنها زينة الرجال يا وجه مومس! ولو طليت أظافرك وذررت مسحوقا على وجهك لتخطفك الخُطّاب!
ضحك
الأستاذ ملء فمه ورقص شاربه الغليظ فقال:
ــ
من يقبل على اختطابه فأبلغه أني زعيم بالجهاز!
ثم
قلت للإمام:
ــ
تبين أن الأمازيغية زيف وانتهازية ووصولية وحمارية وما شئت من هذه الأوصاف، فما
الذي تنكره من العروبة التي هي على ما أعتقد قلب وعقل الإسلام؟
أغمض
عينيه قليلا ثم فتحهما فقال:
ــ
لا ريب أن للعروبة ارتباطا عضويا بالإسلام فعزها عزه وذلها ذله. والإسلام أشاد
بكثير من فضائل العروبة كالكرم والنجدة والإيثار وصون العرض... ومن تعاجيب الزمن
أن كثيرا ممن ينتحلون العروبة يتحلون بأضداد هذه الصفات الجميلة حتى صارت العروبة
علما على المساوئ والمخازي!
فقال
المعلم:
ــ
هذا ما أعرفه تمام المعرفة!
فتابع
الإمام كأن لم يسمعه:
ــ
والعروبة تقتضي إجادة اللغة العربية والتضلع في علومها وأدبها والخبرة بأسرار
البلاغة وفنون الكتابة، فهل وجدت من أدعياء العروبة من احتاز هذه الأمور؟
صفق
المعلم تصفيقا حادا، وقلت أنا:
ــ
هذه العروبة الزائفة لا صلة لها بالإسلام ألبتة.
فقال
بأسى عميق:
ــ
ولكنها الرائجة في هذا العصر فجرت القوم إلى إقصاء الإسلام وتجريد نبيه من أخص
خصائصه وهو: الوحي والنبوة وجعلوه عبقريا عربيا!!
وهذا
من أسباب إثارة فتنة الأمازيغية، لأن الرابط بين الشعبين هو الدين الحنيف واللغة
الشريفة، ولما أقصي الدين وهجرت اللغة ونصرت اللهجة المحلية، وانتصرت العروبة
الزائفة لدم مخصوص وهو أحقر دم وأرخصه في العصر الحديث ثارت نخوة هؤلاء وقالوا: أي
فضل لكم علينا؟ فوقعت الواقعة.
قال
المعلم بمرح:
ــ
ها أنت ذا بدأت تكشف عذرنا الوجيه في إثبات هويتنا وبعث لغتنا وطلب حقوقنا
المهضومة!
ــ
هويتنا هي الإسلام الذي يجب أن نعمل لتحقيق اهدافه السامية...
ــ
إنك ستواجه الامبراطور بوشا الذي انحنت له جباه العمالقة وأعتقد أن لا قبل للأقزام به...
ــ
ولغتنا هي لغة القرآن...
ــ
لغة محنطة، لا وجود لها إلا في المعاجم فلا تتعنت!
فرد
بعناد:
ــ
هي التي يجب أن نبعثها وهاجة.
فقال
بسخرية جادة:
ــ
سيقاومك العرب الأشاوس!
فقلت
بألم:
ــ
هذا صحيح، وكل شرذمة منهم تقوقعت في محمية أوروبية أو أمريكية تعمل لنسف مقوماتها
في زمن تتكتل فيه الأمم لابتلاع الشراذم!
عاد
الأمازيغي فقال وهو يضحك عاليا:
ــ
أليس من حق جدنا المرحوم أن ينتفض ويزيل الكفن ليدب على وجه الأرض كالديناصور يحطم
كل من وقف في طريقه؟
رددت
الغرفة أصداء ضحكته وكلامه وطغى على صوت التلفاز الذي كنا في غفلة عنه!
ـ
إنها الفتنة العمياء!
فقال
الإمام بانفعال:
ــ
بل المبصرة تسلك طريقها الممهد من قبل العروبة الغبية والمكر الخارجي.
ثم
أردت أن أغير مجرى الحديث، فسألت الأستاذ عن ديوانه: "أغاني العروبة"
الذي يعتزم نشره فقال:
ــ
........
تتبع
