-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

خطيبة الأقرع




كنت كتبت مجموعة من القصص الصغيرة في 2003، وها أنا ذا أنشر هنا واحدة منها، عنوانها:
خطيبة الأقرع
الزواج كلمة سحرية، تخطر ببالها فتدغدغ أنوثتها الناضجة، فتهتاج وتحس ارتياحا لذيذا، وخوفا غامضا. وكم عانق الرجل فكرها وخيالها، وشاطرها لحافها في أحلام وردية مذ طرأ تغير واضح على جسدها، فأصبح ممشوقا، وانتبر نهداها وتضخم ردفها!
التقط سمعها بشيء من الغموض أن طيف رجل يحوم حولها، ولما قالت لها أمها على انفراد:
ــ لدي خبر عظيم يخصك.
تنزى قلبها وأدركت ماهية الخبر، ومع ذلك نظرت إليها نظرة تسآل، تابعت الأم بلطف:
ــ سيكون لك بيت مستقل!
بيت يؤويها مع فحل آدمي يلاعبها، ويضمها بين ذراعيها، ويحقق معها رغبات مسكرة هو أمنية طالما خدرتها.
ثم أضافت الأم بابتسامة لطيفة:
ــ أنت الآن يا بنتي محظوظة!
من يكون الفارس الذي سيحقق أحلامها الأرجوانية، ويمتص الحيوية التي يمور بها هذا الجسد الملتهب، ويقتل الجوع الذي يصرخ في عروقها، ويطفئ اللهب المشتعل في دمائها؟ قسما لن أقبل إلا زوجا كفؤا، زوجا له سعة من المال، وبسطة في الجسم، لذلك سألت باقتضاب:
ــ من خطبني؟
تأملت أمها وجهها قمحي اللون، مزدانا بعينين دعجاوين، وخدين أسيلين، وخافت أن تصدمها فتحاشت الجواب، وأخذت تلقي كلمة تمهيدية، تتفادى بها معركة متوقعة بين ابنتها الضعيفة ووالدها المستبد الذي يرفض بشدة أن يناقش في أمر أمضاه، قالت:
ــ يجب أن تعرفي أن كل منزل من المنازل المحيطة بنا يضم ثلاث أو أربع فتيات كلهن بالغات، والمحظوظة منهن من يختصها القدر ببعل ينتشلها من وهدة العنوسة والضياع والحرمان، ولا ريب أنك يا فاطمة محظوظة.
أدركت بفطرتها أن وراء مراوغة أمها ما لا يسرها. خفق قلبها، وقد رأت أن أمامها معركة سيكون لها ما بعدها، لا بد أن تنشب بينها وبين والدها العنيد، ولن تجد من أمها الخاضعة لأبيها خضوعا أعمى إلا خذلانا مبينا. وسيتوقف نجاحها فيها على مقاومتها، ولكن هل تستطيع أن تواجه بالرفض أباها الذي لم يتعود منها غير البر والطاعة؟
رفعت عينيها الجميلتين إلى أمها فوجدتها ما زالت تتأملها، فسألتها بلهجة حاسمة:
ــ من هذا الذي جعلني محظوظة؟
اضطربت الأم وقالت بخوف وقلق:
ــ هو حسن البلوشي!!
مادت بها الأرض، وغمرتها عاصفة من الغيظ والاحتقار لهذا الاسم وصاحبه، فصاحت بحنق:
ــ إني أرفض هذا الأقرع العاطل التافه الذي رفضته عائلات من طينته!
استحارت الأم، فلم تدر ما تفعل. قلبها مع ابنتها في رفضها شخصا منفرا كريه المنظر والمخبر، أمضى كثيرا من سنيه الأولى في الرعي، وهو الآن يتسكع معظم أيامه، ويعمل أجيرا مياوما في أقلها، طردته فتيات أقل شأنا وجمالا من ابنتها. ولكنها ــ الآم ــ مخلوق ضعيف لا حول لها ولا قوة أمام جبروت زوجها العنيف، لا يسمح لها أن تراجعه في شيء مهما صغر شأنه، فكيف يقبل مجادلتها في أمر خطير كهذا؟ بل خافت إذا تمردت ابنتها أن يحملها مسؤولية عصيانها ورفضها! وتداعيات ذلك في بيت نظامه استبدادي غير محمود العاقبة. لذلك بذلت جهدها لإقناعها وتطويعها، قالت:
ــ لذلك بذلت جهدها لإقناعها وتطويعها قالت:
ــ اهدئي يا ابنتي! الانفعال والصياح لن يغيرا أمرا أبرمه أبوك، والرضا بالقدر واجب.
ــ إنه صعلوك سيئ السيرة، يدخن ولا عمل له!
ــ كذلك كان أبوك حين اقترنا، فأنا صاحبة الفضل في تنشئة ورعاية إخوتك السبعة، فاقتدي بي!
ــ لا أريده لا أريده، هل سمعت؟
ــ إنه أمر الله لا مفر منه، وحكمه سبحانه ماض فينا!
صاحت في غضب عارم:
ــ أنا أتحدى الله في علياء سمائه في هذا!! ولن أدع فتيات الدوار يشمتن بي في هذا.
فاضت دموعها، فرقت لها أمها واحتضنتها بتأثر وقالت:
ــ أعرف محنتك وأبعادها يا ابنتي!
ــ فلماذا تخليت عن مساعدتي؟
أجابت بصراحة مؤلمة:
ــ أنا وأنت مجرد أمتين في يد أبيك يفعل بنا ما يشاء.
انفعلت الابنة وقالت بتحد:
ــ أما هذا الزواج خاصة فلن أكون فيه أمته.
ارتاعت الأم وقالت بإشفاق:
ــ ولكنه كتب العقد، وأخذ مقدم الصداق، فلم يبق إلا الزفاف، وبعد أيام ستقام الحفلة.
عقدت الدهشة لسان المخطوبة، فبقيت فاغرة الفم كأنما ضربت على أم دماغها، وبعد لأي غمغمت:
ــ ماذا تقولين؟ بأي حق فعل ما فعل؟
ردت الأم باستكانة وخجل:
ــ خاطبته في ذلك فأجاب: "باسم الدين والعرف! والرجل الحق لا يدع امرأة ناقصة العقل تناقشه في أموره"!
نفخت الفتاة في غضب:
ــ أله الحق أن يتسلط علينا باسم الدين، ومعرفته به كمعرفة اللقيط بأبيه؟!
ساد صمت لحظات، ثم أذاعت الأم سر المأساة:
ــ والحق أن الفضيحة التي اجترحتها الآنسة خ .....، وأسفرت عن الحمل والإجهاض هي التي أغرته بالتخلص منك مخافة أن يأتي دورك!! والفتيات يستوجبن الوأد في هذا الزمان!
أصغت إليها الخطيبة الغاضبة، والحنق يكسو محياها، ثم قالت بألم:
ــ لدغت العقرب فقتلت الخنفساء كما يقول المثل! أذنبت فاجرة، فعوقبت أنا! لن يكون هذا.... أبدا. ذلك طعن في شرفي! أليس لي دين ينهاني؟ أليس لي حياء يعصمني؟
ــ بلى! ولكن أباك لن يفسخ العقد خشية أن يتهمه الناس بالرضوخ لنا، وفي ذلك غض من مكانته ورجولته.
ــ فما العمل؟
أجابت الأم بأمل ورجاء:
ــ أرى أن تصبري وتتقبلي ما كتبه الله عليك!
ركضت الأرض وقالت في ضجر:
ــ لا أريد أن أسمع منك هذا الكلام المهين، إن لم تملكي غيره فقفي على الحياد!
بعلت أمها بأمرها، فأمرتها بالانصراف حتى تهدأ وتملك أعصابها، ثم تستأنفا حديثهما. وقالت في نفسها: "الحق معك يا ابنتي. الزواج اختيار ومسؤولية. عليك أن تثوري على هذا الوضع المشين الذي تقاد فيه الفتاة كالأتان إلى حيوان، همه المتعة وإرواء ظمأه الجنسي! ثم يرى نفسه سيدها الجبار يستبد بأمرها، ويراها أحقر من نعله، ولا يرى لها معنى إلا في الافتراش!"
أما فاطمة فقد اختلت، وهي على درجة عالية من القلق والتوتر والارتباك. ولما سكنت وهدأت حاورت نفسها: "أبت! لي شعور يجب أن تراعيه، لي حق لا ينبغي أن تهضمه، لي كرامة ما كان لك أن تهينها! وحرام عليك أن تعاملني كبهيمة تزفني قسرا إلى حيوان حقير، لا مخبر له ولا منظر، لا مال له ولا عمل، نبذته فتيات لا يقسن بي، ما فعلته إن أقره العرف والتقليد فإن الدين ينكره، فلا تعظم العرف وتتنكر للدين! تقول: (أنا خائف على شرفي وحريص عليه) اعلم أني أحرص عليه منك، هل رأيت مني قط ما يخل بالشرف والمروءة؟ أرجوك ألغ هذا العقد المحرم ولا تلجئني إلى إلغائه بشكل يسود وجهك آخر الدهر! لن أكون لهذا الأقرع، لن أكون له! هل تفهمني؟"
رفعت صوتها تنطق بالجمل الأخيرة كأنها تقذف بها في وجه أبيها المستاء من مجادلتها!
ولما أخبر الأب باليوم المحدد للاحتفال بالعرس أبلغته الأم في خوف وإشفاق رفض البنت، فقال بأبوة متسلطة:
ــ من شاورها لتوافق أو ترفض؟ هذا أمر أريده فيجب أن يكون!
ــ ولكن...
قاطعها بجفاء واحتقار:
ــ لا أريد الاعتراض على قرار اتخذته، وأبلغي ابنتك أني لن أتسامح معها، ولتتقي غضبي!
انفردت الأم بالخطيبة المستعصية، فأبلغتها القرار الصارم وقالت بأسى عميق:
ــ ما لنا حيلة يا ابنتي، فاستمسكي بالصبر!
لحظتئذ شعرت بحنق غير قليل نحو أمها الواهية، ولعنت أباها من أعماق قلبها، وقالت بقوة:
ــ ليست لك حيلة أنت! أما أنا فلدي ألف حيلة!!
ــ ما الذي تنوين أن تفعلي؟
ــ سوف ترين!
قالت ذلك بعصبية ثم خرجت، وتركت أمها تخمن ما سوف تقوم به.
وفي الليل عمدت إلى بقجتها الملأى، فأخذت منها ملابس لا بد منها، وسوارين من الذهب الخالص، وأقراطا وخواتيم من نفس المعدن، ثم انسلت في جنح الظلام إلى حيث ينتظرها ما ينتظرها.
وفي ضحى الغد حضر الناس لا ليحتفلوا كما دعوا، ولكن ليشهدوا مأساة تتهددهم جميعا إن هم تسلطوا واستبدوا.
وبعد أشهر عرف الناس أن خطيبة الأقرع انضمت إلى فرقة من هذه الفرق التي تحترف الغناء. ثم التحقت بالمغني المشهور ح..... ثم صارت من المغنيات الشهيرات في هذا القطر.
ومن أغانيها المؤثرة والحبيبة إلى القلوب:
أيتها المظلومات!
كلمة إليكن أهديها:
لا ترضخن أبدا!
اصفعن كل عنيد!
وارفضن كل حقير

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019