-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

المريض العاشق






غريب أمري!
من مرض واضح، يتلف الكبد، أشخصه للطبيب، إلى مرض غامض، يذيب القلب، أخفيه عن الطبيب.
من مرض غرس في نفسي مللا كره إلي الاستلقاء في سرير المستشفى إلى مرض أجج في عروقي حرارة، وبعث في دمائي حيوية، حببتا إلي التمدد في السرير.
في البداية يقول لي الطبيب: أكلت شيئا! وفي النهاية يحق لي أن أقول للطبيب: رأيت شيئا!
ها أنا ذا أفترش الملل وألتحف به، أتقلب على السرير جنبا لجنب كالملسوع، أنظر أيمن مني، فلا أرى إلا مريضا يتأمل الفراغ، أنظر تلقاء وجهي فلا أرى إلا مريضا يتوجع في صمت!
يوم طويل، ليلة ساهرة، نوم متقطع، ألم ممض، انتظار ممل، مفردات هاجمت قاموسا لا يعرف غير المرح بلا حدود، والانطلاق كالفكر، والصحة الفولاذية.
دخل صديق ففرحت، فبادر إلى القول: "طهور إن شاء الله!" فسايرته: "الأمر لله" ثم أضاف: "الصبر والتفاؤل خير دواء".  
ثم دخل صديق ثان، وهو يقول: "سبحان الله! صدمني الخبر، ظننت المخبر مازحا".
ثم دخل ثالث فرابع...، وكل يعبر عن مشاعره صدقا أو كذبا، قال أحدهم: "ما كنت أحسب أن بنية الإنسان بهذه الهشاشة! بالأمس كنت تصرع العمالقة .......".
 قاطعته مبتسما: "واليوم صرعني فيروس لا يرى إلا بالمجهر!"
انطلقت الأحاديث والنكات فأنستني السهر والألم والملل. ثم بدأوا في الانصراف تباعا فتركوني كما وجدوني: فريسة الملل والألم.
*****
أمس أطلت ممرضة طاعنة في السن، فتفقدت أحوالي ثم انصرفت.
واليوم... كنت أنتظرها بلا شوق، فإذا ممرضة شابة، تفيض أنوثة، وتشع جمالا وبهاء.
دخلت، فانجذبت إليها عيناي رغم آلامي!
 ما الذي أثارني وجذبني إليها: أجمالها الرائق، أم نظرتها الوديعة، أم حذاؤها الأحمر المتناسق مع ثيابها الحمراء، أم كل ذلك؟
اقتربت فشممت عطرها الأخاذ، وسمعت صوتها الرخيم، ولمستني أصابعها الرخصة على غير قصد لمسا خفيفا، فانتفضت روحي!
قلت في نفسي: "أأنت هاهنا لمعالجة المرضى أم لصرع الأصحاء؟ تعالجين عضوا ثانويا، وتمرضين عضوا رئيسا!!"
انطلقت لتخرج، فحركت ذراعي المنغرزة فيها أنبوبة......، وتأوهت، أريد أن تلتفت، لألتقط لها بعيني الجائعتين صورة، أجعلها أنيسي في ليلتي الطويلة، فالتفتت إلي التفاتة مذعور، حجزت بها مكانا ركينا في أعماق القلب!
"هل قدر علي أن أعاني (مرض القلب) إلى جانب مرض الكبد؟"
*****
مرة أخرى تحلق الأصدقاء حول السرير. وبعد المجاملات والإكليشهات المعتادة، قال صديق: "يبدو أن الدواء فعال، فقد تحسنت حالك، والطب المتطور جعل استئصال الأمراض المستعصية في القديم نزهة".
فقلت وهم لا يدركون ما أعني: "من الأدوية الروحية ما يمحو أثر أعضل داء!".
قال صاحبي: "عهدي بك عقلانيا، لا يؤمن بأساطير الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة!".
فتدخل زائر متدين: "من حسنات الأمراض أنها تضغط العقول، وتطهر الروح من الانحراف!"
أضفت، وأنا في واد وهو في واد: "الروح الطاهرة يمكنها أن ترد الماخور معبدا، والمستشفى الذي هو مبعث الأنين والوحشة والملل واليأس مصدر السعادة والأنس والتفاؤل والهيام بالحياة!".
قال المتدين: "سبحان مغير الأحوال!".
ثم ودعوني وهم يؤكدون أنهم رهن الإشارة أو الاتصال، فقلت بسخرية مرددا من محفوظاتي القديمة: "لا ينقصني إلا النظر في وجوهكم الكريمة!"
ودعت الظلال الثقيلة هذه المرة بلا ألم، وانتظرت الحميراء في شوق وهيام.
العطر النفاح، الحذاء الأحمر، النظرة الناعسة، الالتفاتة المغرية مفردات جديدة في قاموس الأحلام والآمال.
اقتربت وقالت ببراءة: "كيف تجدك؟"
قلت بتسرع لا يناسب الموقف: "أجدني محلقا في جواء العافية والأنس والبهجة والراحة".
تراجعت مشدوهة، فتبادلنا نظرة، لها ما بعدها.
آه! ما أنس لا أنس لحظة انحنت برقة معهودة تركب الأنبوبة، فتدلى جيبها المنفرج قليلا، فانسلت عيناي من خلاله فوقعتا على نهديها الكاعبين الملتحفين بصدرية حمراء، فمادت بي الغرفة، وبقيت سدرا ما بقيت!
فهل تعمدت أم هي لحظة قد تتكرر؟
بدأت العلاقة تتوطد، والكلفة تتلاشى، وأصبح السرير مهبط الوحي والأمل والسعادة.
مرت أيام وليال لا يعكر صفوها إلا الزوار وأحاديثهم المملة عن فلسفة المرض ونعمة الصحة.
يا قوم، اتركوني ومرضي، ألتذ به وأتنعم، وخذوا الصحة وتنعموا بها ما شئتم!
*****
بقلب هائم أنتظر مواعيد الإطلالة التي تعلن عنها طقطقات الحذاء الأحمر، وانتشار العبير الزكي ثم الابتسامة العريضة.
قلت ويدي ممدودة: "أهلا ومرحبا".
فغمغمت ويدها في يدي: "مساء الخير". ثم وهي تسحبها برفق: "قال الطبيب إنك تتماثل للشفاء بسرعة".
قلت بصدق: "عضو يتماثل للشفاء، ومرض من نوع آخر يتوطن"
ابتسمت وقالت: "ألا يهمك الشفاء؟".
قلت بهيام: "ما قيمة الشفاء إذا خسرت إطلالاتك وابتساماتك؟".
تورد وجهها وقالت: "ما ألطفك!".
قلت بحرارة: "ما أجملك!" ثم أضفت بإغراء: "عديني أن نلتقي خارج هذه الأسوار!".
أخذت يدي في يدها وضغطت على راحتي وقالت: "أعدك".
ثم حل اليوم الذي أعلن فيه الطبيب أن بإمكاني المغادرة، فوجدتني أتحايل للبقاء، وكدت أصرخ في وجهه: "ما زلت مريضا وسألزم سريري!" لولا المواعدة الصادقة.

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019