-->
مدونة الكتابة والإبداع والنقد مدونة الكتابة والإبداع والنقد

recent

الجديد

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

المشعوذ في المحراب







المشعوذ في المحراب

غشت: 2003.

سي عدي الإمام اسم مشهور، لا يجهله أحد في الجنوب، لكن ليس بالتقوى والصلاح كما توحي وظيفته! إن شهرته قائمة على التصريع والكهانة والأحجبة. يروى عنه ما يشبه الأساطير. صار مسجده قبلة المرضى وأصحاب المعضلات. ولم اسمع قط من انتقده على تحريَّ عنه فدعاني ذلك إلى استبانة أمره وقلت: ما ضرني لو زرته واكتشفت أمره"
سرت إليه في زي فاخر فلما رآني خالني زبونا ثمينا فرحب بي ولاطفني كثيرا.
كان ربعة أسمر اللون، خفيف العارضين، كوسجا، حليق الرأس، كل حركة تصدر عنه تصاحبها هيللة او حمدلة!!
وبعد مألوف الكلام والاستئناس قلت كاذبا:
ــ كنت أنوي القيام بأمر لعله لا يخفى على علمك، وأريد مؤازرة لتحقيق هدفي.
تناول ورقة واقتطع منها جزءً مربعا وغمس قلما قصبيا في محبرة، فرسم جدولا في المربع، وكتب شيئا لا أتبينه ثم صاح:
ــ أبشر  أسي حسن! إذا كان جدك سعيدا لفظا فأنت سعيد معنى! إن المعركة الانتخابية التي تعتزم خوضها ستلقى فيها نجاحا باهرا، فأنت بكل تأكيد نائب في قبة البرلمان. وسأكتب لك حجابا يقيك من شر الناس!
سألته وأنا أغالب ضحكة:
ــ كم الأجرة؟
ابتسم وقال:
ــ لا أحددها إلا للفقراء، أما الكبراء فيعطون على قدرهم.
ضحكت وقلت:
ــ على النائب المرتقب أن يبسط يده كل البسط!
ــ ظني فيك صادق إن شاء الله.
داعبته:
ــ ما رأيك أن نؤجلها حتى أقتطعها من المرتب الأول والسمين؟
ــ خير البر عاجله!
ــ هذه أجرة لا بر، فيصدق أن نقول: خير الأجرة آجلها، لأنها ستكون عظيمة.
ــ بيضة اليوم خير من دجاجة الغد.
ــ يبدو أنك غير موقن بنجاحي في الانتخابات!
ــ معاذ الله!
ــ بالمناسبة أسألك: هل اتفق قط أن عاد إليك احد الزبائن يشكو فشل الخدمة أو أنك تكذب عليه؟
ــ أؤكد أني أمضيت في هذا العمل الجليل أزيد من ربع قرن ولم يحصل فيه فشل قط!
ضحكت وقلت بجرأة وصراحة:
ــ الآن كن موقنا أنك خريت في ثيابك! أتدري من أنا؟
ارتبك وتمتم في خجل:
ــ من أنت؟
ــ يبدو أن ملامحي تحاكي ملامح رجل أعمال، يبحث عن المناصب لا ملامح إمام عريق همه الأوحد هداية الناس!
أكد وارتباكه بدأ يزايله:
ــ تماما، لم تعف لحيتك، ولم تحلق رأسك، ولم تلبس الطاقية ولا الجلابة!
ــ ومع ذلك يسعدني أن أخبرك أني إمام من أئمة المسلمين في هضاب حاحة!!
وبعد برهة أضفت:
ــ أنا إمام الدوار الذي يقطنه المرشح السيد حسن بن سعيد، ولا ريب أن خبر ترشحه بلغك، فظننتني إياه، فلعبت بلعبتك الخاسرة!
ضحك عاليا واعترف:
ــ نعم، وبما أنك إمام فلا لوم علي، لأني أعتقد أنك مشعوذ دجال مثلي!
ــ لا تطعن في البرآء!
أخذ المحبرة من أمامه وقال:
ــ هل تعرف إماما بريئا من ممارسة الدجل وكتابة الأحجبة؟
نهض قبل إتمام سؤاله، ووضع المحبرة على رف فخرج ولم ينتظر أن أجيب، كأننا متفقان على الجواب. ثم عاد وفي يده حزمة من النعناع البلدي، حصدها في باحة المسجد، وشرع في تحضير الشاي، تخلى عن رزانته ووقاره، فبدا كما خلقه الله ذا طبيعة مرحة وفكاهة طيبة. ناولني الكأس وهو يسأل:
ــ ما حملك على هذا الامتحان العسير؟
ترشفت من الكأس قبل أن أرد:
ــ رأيت أن شهرتك طبقت أصقاع الجنوب، فما غشيت مكانا إلا سمعت من يذكرك بصفتك عالما روحانيا كبيرا، فتملكني فضول حتى فعلت ما فعلت!
ــ ما رأيك في الأمر بعد؟
أجبت ضاحكا:
ــ عند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
نقر إبريق الشاي بسبابته وقال بتوكيد:
ــ ولكني ناجح في حياتي العملية.
ــ أجل حققت أحلاما وأماني، واقتنيت منازل فخمة، ومحلات تجارية رفيعة في أكثر من مدينة لكن بطرق ملتوية!
أنغض رأسه وقال:
ــ أرني واحدا من أغنياء هذا البلد تغانى بطريقة نظيفة!
ــ ولكنك إمام.... قدوة.
مط شفتيه سخرا واستهانة وقال:
ــ إمام! قدوة! واضح أنك ساذج كبير، ولو امتحنت الأئمة لتكشفوا لك أو اكثرهم إما عن مشعوذ أو جاهل أحمق أو لوطي برتبة فارس، وقد تجد منهم من يحمل تلك الأوصاف كاملة...
سمعنا طرقا على الباب الخارجي، فقال بلهجة ساخرة:
ــ مريض أو مريضة حالتها في خطر، عافاك الله!
عاد فسألته: من الطارق؟
ــ مريضة درماء!
ــ ما مرضها؟
ألم في الركبتين، ثم أضاف باستهتار:
ــ لو كانت امرأة نصفا لأدخلتها، ودلكت بيدي هاتين ركبتيها الناعمتين، ولكنها عجوز شهربة!
سألته: هل أدركت سبب ألم ركبتيها؟
أجاب ضاحكا: نعم، كانت عجيزتها ضخمة، فلم تستطع ركبتاها تحملها، ودواؤها حمية غذائية ورياضة حتى ينتقص وزنها الزائد!
ــ هذه هي الحقيقة.
ــ ولكني لن ألقيها إليها، لأني لا أريد أن أسبح ضد التيار فأكون من المغرقين!
ــ فبماذا تداويها؟
ضحك كثيرا ثم قال:
ــ أكتب لها هذا الشاهد النحوي:
أم الحليس لعجوز شهربة***ترضى من اللحم بعظم الرقبة
وآمرها أن تغسل المكتوب في إناء فتدهن به ركبتيها الغليظتين!
وكذلك فعل، سألته: وإذا لم تشف؟
رد ببساطة:
ــ تعود!
ــ وإذا لم ينجع فيها (الدواء) مرة اخرى؟
ــ تعود مرة أخرى!
ــ حتى متى؟
ــ حتى تشفى أو إن أردت : حتى تموت!
أهمني فعله فقلت بإخلاص:
ــ لم لا تتقي الله في عباده البؤساء؟
نظر إلي باستهانة وقال ساخرا:
ــ لعلك حديث عهد بالمشارطة، لم تتخلص بعد من التهيب وروعة الجدة! وأرجو أن تزورني في القابل حين تصير أسير العادة!
ــ إني ليحزنني أن تكون إماما، وأنت على هذه الدرجة من الفسق، وددت لو تمارس استهتارك في ماخور!
ــ للمواخير أهلها وللمساجد أهلها!
ــ لستَ من أهل المساجد.
ــ تذكر أني أمضيت فيه أزيد من ربع قرن وأني واحد من مئات!
ــ إنكم تستحقون التعزير والطرد!
وبلهجة ساخرة قال: عرفت مصير المستبدين فكن ديمقراطيا! ولا تجعل نفسك....
لم يكمل إذ سمع وقع أقدام في الصحن، ثم رأينا ظل القادم منبسطا في المجلس، فخف إليه متهللا:
ــ تفضل يا حاج، ما هذا الغياب؟
دخل الحاج بقامته الضئيلة، وعلى رأسه عمامة بيضاء باهت لونها، لفها بشكل عشوائي على عادة أهل المنطقة، وفي رجليه المشقوقة العقبين "بلغة" بالية، اما جلابته فقد رفاها في أكثر من موضع.
أهدى إلى الإمام قنينة من زيت أركان، تسلمها الروحاني الكبير ولسانه الذرب يفيض دعاء انسدت سلفا دونه أبواب السماء، ثم عاطاه كأسا من الشاي الفاتر، وقال يعرفه بي:
ــ هذا سي حسن.... أخ لي في الله.
التفت إلي الحاج وقال:
ــ لا اعرفه.
ــ اعرفه الآن فقد تحتاج إليه يوما.
وبحرارة وصدق قال الحاج:
ــ نحن محتاجون إلى أهل الله في المحيا والممات، نسال الله ان يحضرهم عند مماتنا!
فقلت ضاحكا:
ــ حضورهم هذا لا يحتاج إلى دعاء، فسيأتون من أقاصي الأرض ولو زحفا أو حبوا! كل ما يريدون هو أن تنتحر!
خرجت إلى باحة المسجد لأن الكاهن سيعقد جلسة سرية مع الحاج، وبعد ربع ساعة خرج الحاج مدعيا أن النية من عنده، والأسباب من الشيخ، والشفاء من عند الله، أمور متكاملة!
عدت إلى المجلس فألفيت الشيخ يلملم أدواته الفذة: محبرة، وقلما قصبيا، وقصاصات وكتيبات الفلكي الطوخي...سألته بفضول:
ــ ما الأمر؟
أجاب ساخرا:
ــ ما ظنك باثنين، الشيطان ثالثهما؟
وكالشيطان عقب إغواء نفس وإضلالها انتشت روحه وانبعثت السعادة من أساريره، وسرى المرح والنشاط في أوصاله، وتتالت الفكاهة في حديثه.
قال يحكي قصته مع الزائر:
ــ للحاج بنت عانس في الأربعين من عمرها الخالي من المتعة واللذة، ملكها جني فاسق يقتحم غرفتها كل ليلة، فيغازلها ويداعبها، كانت تتقيه ما استطاعت ولكن الخبيث انتصر عليها فأغواها، فصار يضاجعها!!
ــ لعله أحد جيرانها المتسكعين!!
رد بتأكيد:
ــ كلا! أبديت هذه الملاحظة للحاج فقال: "كان يأتيها في صورة شاب مليح الوجه، مفتول العضلات، ذي شعر مسترسل، وهذه الأوصاف لا يحملها أحد من جيراننا البائسين".
سألت الإمام باهتمام:
ــ وماذا يريد الحاج؟
ــ يريد أن أفرق بينهما!
ــ شاب تلك أوصافه تتمناه بنات الملوك، فلماذا ترفضه عانس محرومة؟
ــ هذا صحيح، ولكن في الصباح، كما قال الحاج، تظهر الضحية بمظهر مؤثر: كدمات على وجهها، وجروح على شفتيها، وخدوش في عنقها، إن اللعين سادي كبير!
تذكرت بلاهة الناس عندنا وأوهامهم التي لا حصر لها واستغلالهم من قبل الدجالين، فغمرتني موجة حزن عميق وخجل شديد، كان المسجد منارا للسالكين، مصلى للمتعبدين، واحة للظامئين، يفزعون إليه لمناجاة ربهم وتطهير قلوبهم، والتحليق في جواء السعادة الربانية، فحوله الفساق إلى ماخور للتهتك والدجل، ومهبط للشياطين يستفتونهم في أوهام وأباطيل، يضلون بها من في أعناقهم هدايتهم وإرشادهم، ويبتزون أموالهم، فكانت جريمتهم جريمة مزدوجة!!
ثم وجدتني أسأله:
ــ أتصدق هذه القصة الغريبة؟
ضحك وقال:
ــ ليس المهم أن أصدقها، المهم أن أعالجها بمعنى أن أتقاضى أجرتي!
ــ كيف عالجتها؟
حك قذاله الحليق، وقال:
ــ فعلت ما يوجبه علي علمي بعالم الجن!
ــ يعني؟
أعاد بسخرية: يعني!
ــ وإذا لم يجد علمك نفعا، وهو ما سيقع حتما....
قاطعني بسخرية جادة:
ــ فالحاج بين أمرين: إما أن يكون منصفا فيتهم نيته، وإما أن يكون جريئا فيحاسب ربه، أما أنا فقد أديت واجبي أداء بريئا!!
ابتسمت على رغمي، وقلت بأسى:
ــ لشد ما انخدع بك الناس!!

عن الكاتب

قريشي عبد الرحمن

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة

زوار المدونة

التعليقات

جميع الحقوق محفوظة

مدونة الكتابة والإبداع والنقد

2019