هذه أقصوصة ترجمتها صيف عام 2003
قصة رودينو
اسمه رودينو، تولى عمه ــ وهو قاضي قريته ــ رعايته إذ كان يتيما منذ
ولادته. والعم بخيل يسيء معاملته جدا. ولما بدأ يرشد قال القاضي للملإ:
ــ آمل أن يكون رودينو جنديا، فيتخلص منه الوطن إذ لن يكون إلا شريرا.
وعاجلا أو آجلا سيكون عار عائلته، إنه سيموت شقيا.
يؤكد الناس أن لحقد الرجل على رودينو باعثا مخزيا، ذلك أن ابن الأخ جمع
إرثا ضئيلا يديره القاضي ولم يرد أن يقدم عنه حسابا. ومهما يكن من أمر فإن القدر
اختار رودينو أن يكون مجندا فغادر قريته معتقدا أن عمه دبر في السحب مؤامرة راح ضحيتها.
ولما وصل إلى كتيبته صار يتخلف عن التفقد كثيرا، ويبدي تمردا واضحا فأرسل
إلى فوج تأديبي. بدا واضحا أن هذا العقاب هز مشاعره فحلف أن يغير سلوكه في قسمه.
وبذل جهدا كبيرا ليحظى بالامتياز لدى قادته. وكان يعرف القراءة والكتابة وهو غاية
في الذكاء. وبعد برهة عين عريفا ثم رقيبا.
قال له عقيده يوما:
ــ يا رودينو، توشك مدة خدمتك أن تنتهي، لكن أرجو أن تبقى عندنا؟
ــ لا، أيها العقيد، أحب أن أعود إلى بلدتي.
ــ قد تسيء إلى نفسك إذا ذهبت، وأنت هنا مرتاح، تتمتع باحترام ضباطك
وأصدقائك. وقد عينت رقيبا، وعما قليل تصبح رقيبا ــ أول إذا استمررت على سلوكك
الحسن. وبقاؤك في الكتيبة يضمن لك مستقبلا حسنا. أما إذا عدت إلى قريتك فستموت
جوعا أو تكون عالة على ذويك.
ــ يا عقيدي، لي مال في بلدتي...
ــ أنت واهم. كتب إلي عمك أنه انفق على تعليمك ما تعجز عن أدائه. هذا ولو
عرفت رأيه فيك لأضربت عن العودة إليه. طلب إلي أن احتجزك بأي وسيلة قال: إنك سفيه،
يكرهك الناس كلهم، ولن يقبلك مزارع في البلدة أجيرا.
ــ قال هذا!
ــ لدي رسالته.
ــ لا يهم! أريد أن أعود إلى قريتي. أعطيت له إجازته: ذهب ومعه شهادات
مشرفة.
ذهب فورا إلى عمه القاضي فوبخه على ظلمه إياه وطلب منه بتطاول كبير أن يعيد
إليه ماله الذي اقتطعه إضرارا به، فرد القاضي واستشاط غضبا وقدم إليه حسابات معقدة
واحتدت المناقشة إلى درجة أنه ضرب رودينو. فسدد إليه هذا ضرية بخنجر حاد فأرداه
قتيلا. وإذ قتله غادر القرية وطلب اللجوء من أحد اصدقائه الذي يقطن في ضيعة منعزلة
في وسط جبال.
وبعد مدة انطلق إلى الجبال ثلاثة من رجال الدرك بحثا عنه. فتربص بهم رودينو
في طريق منخفض، فقتل أحدهم وجرح الثاني أما الثالث فقد تمكن من النجاة بجلده.
ومنذ اضطهاد أنصار "كاربوناريسم" لم يعد الناس يحبون رجال الدرك
في "بييمون" بل يثنون على كل من دحرهم. لذلك اعتبر رودينو بطلا لدى
فلاحي الضواحي. ثم اصطدم مرات أخرى مع القوة المسلحة فانتصر عليها وازداد شهرة.
زعموا أنه في بحر سنتين أو ثلاث سنوات قتل أو جرح ما يقرب من خمسة عشر دركيا. وكان يغير باستمرار ملجأه لكنه
لم يبتعد قط عن قريته بأكثر من سبعة أو ثمانية فراسخ. لم يسرق قط بل يطلب غلى عابر
سبيل حينما توشك ذخائره تنفد ربع ريال ليشتري به بارودا ورصاصا. وكان يبيت عادة في
مزارع منعزلة، فاعتاد أن يغلق الأبواب كلها ويحتفظ بالمفاتيح في الحجرة التي يبيت
فيها. أما سلاحه فلا يفارقه، وكان يترك خارج المنزل للحراسة كلبا كان يتبعه أينما
توجه. ودافع عنه أعداءه غير ما مرة. وإذا أطل الفجر يعيد رودينو المفاتيح إلى
مضيفيه ويشكرهم، وكثيرا ما يلتمس منه المضيفون وهو يغادر أن يتفضل بقبول أزودة.
رآه الملاك الثري م. أ... وهو من معارفي قبل ثلاث سنوات، وذلك في إبان الحصاد.
كان يراقب عماله حين رأى رجلا يتجه نحوه وهو جميل القد، قوي البنيان، ذو وجه ينم
عن نخوة لا أثر فيه لشراسة وقسوة. وفي يده بندقية لكنه على بعد خمسين خطوة من
الحصدة وضعها بجانب جذع شجرة وأمر كلبه أن يراقبها ثم تقدم نحو م. أ.. فالتمس منه
أن يتفضل بمنحه صدقة.
فقال له م. أ.. الذي اعتبره شحاذا عاديا:
ــ لم لا تحصد مع الحصاد؟
تبسم المجند وقال:
ــ أنا رودينو.
فأعطاه بضعة بيستولات، فقال رودينو:
ــ لن آخذ إلا ربع ريال، إنه يكفي لاقتناء ما يلزمني من البارود، لكن بما
أنك تريد أن تحسن إلي فامنن علي بطعام آكله، إني جائع.
أخذ رغيفا وشحم خنزير وأراد أن ينسحب فورا حاملا عشاءه. لكن م. أ.. أبقاه
بضع دقائق إذ تملكه فضول مراقبة رجل تحدث عنه الناس طويلا. ثم قال له:
ــ يجب عليك أن تغادر هذا البلد، وإلا فستؤسر عاجلا أو آجلا. اذهب إلى جنوة
أو فرنسا، ومن هناك ستمر باليونان حيث تجد جنودا، أبناء بلدتنا، يحسنون استقبالك،
وسأعطيك بطيب خاطر نفقات الطريق.
رد رودينو بعد تفكير قصير:
ــ أشكرك. لن أستطيع أن أعيش في مكان آخر غير بلدي، وسأحاول ألا أشنق إلا
في أقصى مهلة ممكنة.
ويوما أتاه لصوص محترفون وقالوا:
ــ هذه الليلة سيمر عضو مجلس توران في مكان كذا ولديه في سيارته أربعون ألف
ليرة، إذا أردت أن ترافقنا سنقطع عليه الطريق، ونصيبك منها نصيب القائد.
التفت إليهم رودينو بأنفة وقال وهو يتفحصهم باحتقار:
ــ من تحسبونني؟ إني مجند شريف لا لص، لا تعودوا إلي بمثل هذه الاقتراحات
وإلا فستندمون.
تركهم وذهب لملاقاة عضو المجلس. لقيه وقت الغسق فأوقف عربته وصعد فجلس في
مقعد وأمر الحوذي أن يتابع طريقه. كان العضو المرتعد يتوقع بين لحظة وأخرى أن
يقتل. وفي وسط ممر ضيق اعترضهم فجأة اللصوص، فصاح بهم رودينو:
ــهذه العربة في حمايتي، وقد عرفتموني. فإذا هاجمتموها فإياي هاجمتم.
رفع بندقيته وكلبه لم يكن ينتظر إلا إشارة لينقض على قطاع الطرق. فتنحوا ع
المركبة التي كانت عما قليل في مأمن. فأهدى العضو إلى مخلصه هدية قيمة لكن رفضها
رودينو وقال:
ــ لم أفعل إلا ما يفعله كل رجل فاضل. وأنا الآن لم أحتج شيئا. لكن إذا
أردت أن تعرب عن امتنانك لي فقل لمزارعيك يزودوني بربع ريال كلما احتجت بارودا
ويطعموني كلما جعت.
وقبض على رودينو قبل سنتين بالطريقة التالية. أتى ليلة إلى بيت كاهن ليبيت
فيه، طلب جميع المفاتيح لكن الكاهن الماهر احتفظ بمفتاح استطاع بواسطته حين نام "قاطع
الطريق" أن يرسل صبيا كان يخدمه ليخطر لواء الدرك الأقرب. وكان كلب رودينو ذا
غريزة عجيبة في الإحساس من بعد بقرب الأعداء. أيقظ نباحه صاحبه فحاول أن يغادر
القرية بيد أن المنافذ كلها قد سدت. فصعد إلى قبة الجرس وتمترس بها. ولما أقبل
النهار شرع يطلق النار من خلال النوافذ فاضطر الدركيين إلى الاحتماء بالمنازل
المجاورة والتخلي عن الهجوم عليه. ودام تبادل النيران شطرا كبيرا من النهار، لم
يجرح فيها رودينو مع أنه اسقط ثلاثة من الدركيين. لكنه لا يملك خبزا ولا ماء
والحرارة مفرطة فأدرك ان ساعته قد حانت. وفجأة رآه الناس يخرج من نافذة واضعا
منديلا أبيض على طرف بندقيته، فانقطع إطلاق النار، وقال:
ــ سئمت الحياة التي أعيشها وأود أن أستسلم. لكن لا أريد أن يتشرف الدركيون
بالقبض علي، وائتوا بضابط الكتيبة لأستسلم له.
وافقوا على اقتراحه فدخلت إلى القرية مفرزة يقودها ضابط. فاستعدت للقتال
أمام قبة الجرس. وفي الحال خرج رودينو وتقدم نحو الضابط وقال له بصوت حازم:
ــ سيدي، هذا كلبي أهديه لك فاقبله وسيسرك. عدني أن تعتني به.
وعده الضابط. ثم كسر رودينو مقبض بندقيته، فاعتقله الجنود دون مقاومة
وعاملوه باحترام كبير.
انتظر الحكم عليه ما يقرب من عامين، ثم استمع إلى القرار برباطة جأش نادرة،
وتحمل العقوبة بدون ضعف ولا تبجح.
